تعزيز المحتوى المحلي في مشاريع التطوير العمراني

 

 

 

آية السيابي

في خضم التوجه الاقتصادي المكثف لسلطنة عُمان الذي تتجه إليه البلاد بثبات نحو تعميق التنويع ورفع كفاءة المحتوى المحلي، تبرُز مجموعة السيابي العالمية التي بدأت عملها مع بداية النهضة المباركة التي قادها السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- في سبعينيات القرن الماضي، كنموذجٍ لشركة عائلية تطورت عبر ما يزيد على 70 عامًا إلى منظومة استثمارية متعددة الكيانات، تعمل ضمن رؤية تكاملية تربط بين العقار، والصناعة، والسياحة، والطاقة، والخدمات.

المجموعة تحتضن 4 كيانات رئيسية تشكل بنيتها المؤسسية؛ وهي: مجموعة الأبرار التي تضم الأبرار العقارية، والأبرار الصناعية، والأبرار الهندسية، ومجموعة فالكون للاستثمارات السياحية المعنية بإدارة الفنادق والمطاعم والمقاهي وتأجير السيارات، مع توجه مستقبلي لإطلاق برامج سياحية محلية، و"السيابي للتجارة والخدمات" التي تشمل توكيلات المعدات الثقيلة، وإدارة محطات الوقود ومرافقها، وتوزيع مواد البناء، وتوزيع مستلزمات الفنادق والمنازل. إلى جانب ذلك تمتلك المجموعة ذراعًا طبيًا يتمثل في مركز الأمل الصحي بتفرعاته المختلفة. هذا التعدد يعمل في شبكة مترابطة تعزز بعضها بعضًا، وتُنتج قيمة اقتصادية مضافة داخل السوق العُماني. ومؤخرًا أعلنت المجموعة عن نيتها إنشاء مستشفى متعدد الاختصاصات بدعم من وزارة الإسكان والتخطيط العمراني ووزارة الصحة، وسيكون هذا العمل بإدارة أوروبية من جهاز متخصص تعود خبراته التراكمية لأكثر من 100 عام. وتسعى المجموعة إلى تحقيق نسبة محتوى محلي (ICV) تتراوح بين 70% و75% في مشاريعها الإنمائية، لا سيما في قطاع الإنشاءات، عبر توطين سلاسل الإمداد، والاعتماد على التصنيع المحلي للمواد الإنشائية، وإشراك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مراحل التنفيذ والتوريد. ويعزز هذا التوجه الدورة الاقتصادية الداخلية، ويخلق فرصًا مباشرة وغير مباشرة للكوادر الوطنية، إلى جانب أنه يقلل من تسرُّب رأس المال إلى الخارج.

صورة داخل المقال في الموقع الشيخ سالم السيابي.jpeg
 

وفي قطاع البناء، يتجسد هذا التوجه في إنشاء مصنع للخرسانة الجاهزة، ومصنع للجدران وألواح الفوم العازلة، وتخطط المجموعة لإنشاء مصنع لحديد التسليح وآخر للبلاط وكافة أنواع الأرضيات؛ بما يقلل الاعتماد على الموردين الخارجيين، ويمنح المشاريع استقرارًا أكبر وانخفاضًا في التكاليف وضبط الجدول الزمني.

تعتمد مشاريع المجموعة، لا سيما في حي الوفاء بمدينة السلطان هيثم، على تقنيات البناء المسبق الصب (Precast)؛ بما يسمح بتقليل مدة التنفيذ، ورفع دقة التصنيع، وتحسين جودة التشطيبات، وخفض الهدر في المواد. كما يجري استخدام الألواح الحرارية العازلة ضمن أنظمة بناء حديثة تحقق كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة، وتقلل تكاليف التشغيل على المدى الطويل؛ بما يتماشى مع توجهات الاستدامة البيئية وكفاءة الطاقة.

هذا التحوُّل نحو التقنيات الحديثة له الأثر الأكبر في قطاع الإنشاءات؛ إذ إنه يُقلِّل الحاجة إلى كثافة العمالة الوافدة منخفضة المهارة، ويفتح المجال أمام انخراط المهنيين العُمانيين في المجالات الفنية والتقنية المتخصصة، وسيصاحب ذلك تدريب وإدارة وتشغيل أكثر تقدمًا. أما حي الوفاء الذي يمتد على مساحة تقارب مليون متر مربع؛ فهو ضمن الأحياء الكبرى في مدينة السلطان هيثم، ويضم في مرحلته الأولى 174 فيلا و318 شقة في الحي التجاري على شارع ابن دريد. وتتنوع الوحدات بين شقق تبدأ من 55 مترًا مربعًا (استوديو) وتصل إلى 137 مترًا مربعًا (دوبلكس بثلاث غرف)، فيما تبدأ مساحات الفلل من 205 أمتار مربعة (تاون هاوس بثلاث غرف) وصولًا إلى 506 أمتار مربعة لفلل مستقلة بخمس غرف. ومن المقرر تسليم المرحلة الأولى كاملة بنهاية عام 2026، تليها المرحلة الثانية في 2027، على أن يكتمل المشروع بمراحله كافة بحلول 2030. وتكمن أهمية المشروع في تكامله الصناعي؛ إذ تتولى مصانع المجموعة تزويده بالخرسانة الجاهزة، والجدران مسبقة الصب، والألواح العازلة؛ بما يرفع نسبة الاكتفاء الداخلي، ويضمن ضبط الجودة وتقليل المخاطر المرتبطة بسلاسل التوريد.

وفي موازاة البناء، تعمل مجموعة فالكون للاستثمارات السياحية على تطوير وإدارة منشآت فندقية ومرافق ضيافة، وتوسيع نشاط المطاعم والمقاهي، وتأجير السيارات، مع توجه لإطلاق برامج سياحية محلية تستثمر في المقومات الطبيعية والثقافية.

هذا التكامل بين العقار والسياحة يُعزِّز فكرة "اقتصاد التجربة"؛ حيث يُنظر إلى المشروع كبيئة متكاملة للعيش والعمل والترفيه. ويمثل مركز الأمل الصحي، الذي تأسس عام 1995 كأول مركز طبي خاص في السلطنة، إحدى الركائز الاجتماعية للمجموعة. وبدأ بطاقم صغير لا يتجاوز 10 موظفين، ليصل اليوم إلى نحو 100 موظف وموظفة بنسبة تعمين تقارب 30%. ويمتلك المركز 3 فروع؛ أبرزها: فرع الخوير الذي يضم 9 عيادات تخصصية، إضافة إلى "الأمل بلس" في منطقة الحيل بمسقط، مع خطط للتعاون المستقبلي مع مستشفى مدينة السلطان هيثم المزمع إنشاؤه. هذا الامتداد الصحي يعزز جودة الحياة في المشاريع العمرانية الجديدة، ويؤكد أن التنمية العمرانية لا تكتمل دون بنية صحية متقدمة.

لذا، نرى أن ما يتشكل عبر هذه المنظومة هو نموذج اقتصادي مهم، يقوم على رفع المحتوى المحلي إلى مستويات عالية، وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة في قطاع البناء عبر التصنيع المسبق والتقنيات الحديثة، وتحسين جودة التنفيذ وتقليص المدد الزمنية، وتعزيز كفاءة الطاقة باستخدام الألواح الحرارية العازلة، إضافة إلى فتح مسارات مهنية جديدة للعُمانيين في الصناعة والإنشاء والإدارة؛ حيث تسعى مجموعة السيابي العالمية إلى إعادة تشكيل سلاسل القيمة داخل السوق المحلي، وتوسيع قاعدة المشاركة الوطنية في الاقتصاد، ومواءمة النمو العمراني مع معايير الجودة والاستدامة.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z