العدوان الإسرائيلي والسلام بالقوة.. حماية لبنان ومصداقية الحكومة!

 

 

 

جان يعقوب جبور

مع تكرار العدوان الإسرائيلي على لبنان يظل السؤال المُحيِّر: كيف تُصدِّق الحكومة اللبنانية الولايات المتحدة وحليفها المقرب، الكيان الصهيوني، أن الدبلوماسية واتفاقيات السلام المشبوهة هي الحل والخلاص لبلد مثل لبنان. ما يؤخذ بالقوة والاحتلال وقتل وتهجير الشعوب يُسترد بالقوة في زمن أصبح المعيار الأخلاقي للسياسة الدولية هو "إبستين" وحروب الإبادة وتوظيف الرؤساء لمصالحهم وغير ذلك.

أما في الخطاب السياسي الإسرائيلي يتكرر توصيف العمليات العسكرية في لبنان تحت عناوين مُضلِّلة تحمل مفردات "الأمن" و"الردع" و"إعادة الهدوء"، لكن الواقع الميداني غالبًا ما يقدّم صورة مختلفة، خصوصًا عند النظر إلى محطات مفصلية في تاريخ الصراع. فمنذ اجتياح لبنان عام 1982، الذي انتهى باحتلال أجزاء واسعة من الجنوب وبيروت، مرورًا بعدوان تموز/ يوليو 2006 الذي خلّف أكثر من 1000 قتيل مدني ودمارًا واسعًا في البنية التحتية، وصولًا إلى الضربات المتقطعة على الأراضي اللبنانية في السنوات اللاحقة، ظلّ توصيف “السلام” بعيدًا عن إدراك اللبنانيين الذين دفعوا كلفة بشرية واقتصادية مرتفعة.

في تموز/يوليو 2006، أعلنت إسرائيل أن هدف عملياتها هو “إعادة الأمن إلى شمالها”، لكن تقرير الأمم المتحدة في آب/أغسطس من العام نفسه وثّق دمارًا واسعًا في الضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني، إضافة إلى نزوح ما يقارب مليون مدني داخل لبنان. وفي عام 2023 ومع تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية بعد حرب غزة، تكررت الغارات والقصف المتبادل، فيما حذّرت تقارير أممية من اتساع رقعة النزوح في القرى الحدودية اللبنانية، ما يعكس استمرار نمط المواجهة بعيدًا عن أي استقرار فعلي.

أما على المستوى الرسمي اللبناني؛ فالموقف المعلن بقي ثابتًا في توصيف هذه العمليات كـ“اعتداءات” وانتهاكات للسيادة، وهو ما ورد في بيانات وزارة الخارجية اللبنانية المتكررة أمام مجلس الأمن، لا سيما في الشكاوى المقدمة خلال أعوام 2006 و2023 و2024 (بعكس ما يحصل الآن) بشأن الخروقات الجوية والقصف الحدودي. في المقابل، تتعامل الحكومة اللبنانية بحذر سياسي ودبلوماسي، مدركةً اختلال ميزان القوى، فتجمع بين الإدانة الرسمية وتفعيل القنوات الدولية لتثبيت القرار 1701. ولكن ما يحصل الآن هو تطبيق القرار من الجانب اللبناني فقط مع اعطاء الحق من قبل الدول الكبرى- وفي مقدمتها الولايات المتحدة- حق الكيان الصهيوني في الاعتداء على لبنان تدميرًا وقتلًا وتهجيرًا تحت ذريعة الدفاع عن النفس. والمهين أيضًا إبرام اتفاقيات مع الحكومة اللبنانية وتشكيل لجان وغيرها كراعٍ للسلام وهم طرف بالحرب علينا.

الجدل الحقيقي لا يدور حول المصطلحات بقدر ما يتمحور حول الوقائع على الأرض: هل أدّت هذه العمليات إلى سلام مستدام أم إلى دورات متكررة من التصعيد؟ التجربة منذ 1982 حتى اليوم تشير إلى أن فترات الهدوء بقيت هشة ومؤقتة، فيما ظلّ المدنيون في جنوب لبنان يدفعون الثمن الأكبر عند كل جولة توتر. وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، يبقى توصيف “السلام” أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى واقع ميداني قابل للتحقق مع عجز الحكومات في لبنان.

إنَّ الانقسام العمودي في لبنان بين مكونات السلطة يجعل من هذا البلد ضعيفًا أمام أي أزمة وكل حكومة تأتي لها موجهيها وأسيادها مما يجعل قراراتها تطبخ خارجًا وليس بالداخل على حساب شعب سُرق ونُهب وهُجِّر وقُتل. فلكل مواطن جنوبي أقول: إنَّ صمودكم وتشبثكم بأرضكم يجعل من أهداف الأعداء مُستحيلة التحقيق.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z