الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة جديدة

أين موقعنا على خارطة التحولات الإقليمية المتسارعة؟

 

◄ حاجة ماسّة لتشكيل فريق وطني استراتيجي لاستشراف المستقبل ومواكبة المتغيرات لتقليل المخاطر وزيادة المكاسب الاقتصادية

◄ العالم على أعتاب مرحلة شديدة التعقيد وشديدة الخطورة

◄ التحديات الراهنة تتطلب قراءة دقيقة واستعدادًا استراتيجيًا على مختلف المستويات

◄ من يشعل شرارة الحرب لا يملك دائمًا القدرة على التحكم في مسارها أو نهايتها

◄ 3 سيناريوهات يمكن أن ترسم ملامح المرحلة المقبلة من الصراع

 

د. صالح بن سعيد مسن

نعيش اليوم لحظة تاريخية فارقة؛ حيث يشهد العالم تحولات عميقة ومتسارعة تهز أُسس النظام الدولي القائم؛ فالمشهد العالمي يبدو وكأنه يُعيد تشكيل نفسه من جديد، في ظل تراجع فاعلية المؤسسات الدولية وعجزها عن كبح جماح الأزمات المتلاحقة؛ فمجلس الأمن يقف في كثير من الأحيان موقف المتفرج العاجز، فيما تبدو المنظمات الدولية أقل قدرة على التأثير؛ الأمر الذي جعل منطق القوة ومصالح الدول الكبرى يطغى على قواعد النظام الدولي.

هذه التطورات المتسارعة تُنذر بتغيرات جوهرية قد تُعيد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية للعالم. ومن يتابع المشهد الدولي بعين فاحصة يدرك أننا قد نكون على أعتاب مرحلة شديدة التعقيد، وربما شديدة الخطورة، تتطلب قراءة دقيقة واستعدادًا استراتيجيًا على مختلف المستويات.

وعلى مستوى الإقليم، تتصاعد حدة التوتر بشكل غير مسبوق، في ظل الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحت ذريعة الحد من برنامجها النووي والصاروخي. غير أن التاريخ يعلمنا أن من يشعل شرارة الحرب لا يملك دائمًا القدرة على التحكم في مسارها أو نهايتها.

لسنا هنا بصدد الخوض في التحليلات العسكرية التي تملأ شاشات القنوات الإخبارية، بقدر ما يعنينا طرح سؤال أكثر إلحاحًا على المستوى المحلي: ما الذي أعددناه اقتصاديًا واستراتيجيًا للتعامل مع تداعيات هذه الحرب، وكيف يمكن تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب في ظل هذه التحولات؟

تبدو أمامنا 3 سيناريوهات رئيسية قد تتشكل على ضوئها ملامح المرحلة المقبلة، نوضحها كما يلي:

السيناريو الأول يتمثل في الخسائر الاقتصادية الكبيرة للاقتصاد العالمي جراء هذه الحرب وارتفاع أسعار الطاقة وتململ الرأي العام الأمريكي وعدم مساندته لهذه الحرب التي تبدو أنها بدون أهداف قد تدفع الرئيس ترامب إلى وقف العمليات العسكرية والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وفي هذه الحالة قد تحقق إيران مكسبًا معنويًا، بينما تبقى المنطقة عالقة في حالة "اللاحرب واللاسلم". أما اقتصاديًا؛ فقد يعني ذلك استمرار حالة عدم اليقين السياسي، وهو ما قد يدفع الاستثمارات الأجنبية إلى البحث عن بيئات أكثر استقرارًا خارج المنطقة. وهنا يبرز التساؤل: هل أعددنا حزمة من السياسات والبرامج الموجهة لاستيعاب مثل هذا الاستثمارات كون سلطنة عُمان لم تتأثر بشكل كبير بتداعيات هذه الحرب مقارنة مع دول الخليج الأخرى؟ وهل يمكن أن تكون سلطنة عُمان هي الملاذ الآمن لهذه الاستثمارات على غرار ما حدث مع سويسرا بنهاية الحرب العالمية الثانية؟

السيناريو الثاني: وهو أكثر قتامة، ويتمثل في انتصار محور واشنطن-تل أبيب؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وتعزيز بعض التحالفات القائمة، بما في ذلك تفعيل مشاريع التعاون بين الهند وإسرائيل وبعض دول المنطقة. مثل هذا السيناريو قد يُعيد للمشهد الاتفاقيات الإبراهيمية ومشاريع التطبيع مع إسرائيل. وهذا بحد ذاته سيفرض واقعًا سياسيًا واقتصاديًا جديدًا على عدد من دول المنطقة، ويضعها أمام تحديات صعبة تتطلب استعدادًا سياسيًا واقتصاديًا مسبقًا.

السيناريو الثالث: يتمثل في إطالة أمد الحرب واتساع نطاقها الجغرافي، مع احتمال دخول قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا على خط المُواجهة. وفي هذه الحالة قد يتجه العالم نحو صراع واسع النطاق، قد يحمل ملامح حرب عالمية ثالثة، وهو احتمال كارثي بكل المقاييس.

إن تسارع الأحداث وتطورها بشكل دراماتيكي يفرض ضرورة التحرك العاجل على المستوى الوطني. فالتعامل مع مثل هذه السيناريوهات يتطلب تشكيل خلية أزمة استراتيجية تعمل بشكل مستمر على متابعة التطورات واستشراف المستقبل ووضع الخطط اللازمة لمواجهة مختلف الاحتمالات.

كما ينبغي أن تعمل المؤسسات الحكومية بوتيرة متسارعة كخلية نحل، لمواجهة التحديات المحتملة، وفي مقدمتها ضمان توفر المخزون الاستراتيجي من المواد الغذائية والدوائية، وتأمين سلاسل الإمداد للسلع والخدمات الأساسية، ومراقبة الأسواق؛ بما يعزز الثقة ويطمئن المستهلكين.

وفي المقابل، لا تخلو هذه المرحلة من فرص كبيرة يمكن استثمارها بذكاء؛ فقد أبرزت هذه الحرب أهمية الموقع الاستراتيجي للبلاد مما يمنحها إمكانية تعزيز دورها كمركز لوجستي إقليمي، من خلال تفعيل الموانئ والمطارات لتكون ممرات آمنة لحركة التجارة الدولية ونقل البضائع والمسافرين بالإضافة إلى تزايد أهميتها كمركز إستراتيجي لتخزين النفط. كما يمكن أن تتحول البلاد إلى بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية التي قد تبحث عن ملاذات مستقرة في ظل اضطرابات المنطقة.

إنَّ اغتنام هذه الفرص يتطلب رؤية واضحة وفريقًا متخصصًا يمتلك القدرة على قراءة التحولات الدولية والإقليمية واستباق تداعياتها. وإذا تعذَّر على اللجان الحكومية الرئيسية والوزارات المعنيّة مواكبة هذا النوع من العمل الاستشرافي، فقد يكون من المناسب تشكيل فريق استراتيجي يضم خبراء في المجالات الاقتصادية والسياسية، يتبع مباشرةً مكتب صاحب السمو السيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، تكون مهمته إجراء مراجعة شاملة للسياسات والتوجهات الاقتصادية لتتواكب مع معطيات المرحلة المقبلة، وتقديم الرؤى والتوصيات التي تدعم صناع القرار في إدارة المرحلة المقبلة.

ففي عالم سريع التغير، لا يكفي انتظار الأحداث؛ بل يصبح الاستعداد لها واستشراف مآلاتها هو السبيل الوحيد لتقليل المخاطر وزيادة المكاسب الاقتصادية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z