◄ الحرب تعلمنا أنَّ الأمان ليس حقًا مكتسبًا.. بل نعمة يهبها الله لكل من يتحلى بالصبر
ريم الحامدية
الأيام والصباحات لا تتشابه، خمسة أيام متواصلة من العمل المتواصل في قلب الأحداث، نركض بين الأخبار والصور ودوي الانفجارات، كنَّا نظن أنَّ الأمن مجرد حرف يمر في الأخبار، وأنَّ الأمان شعور يُستعاد بلا جهد، حتى هزتنا الأحداث التي تحدث في المنطقة وأيقظت ما فينا من خوف صامت ووعي جديد.
لا أحد يُنكر أن المنطقة تتنفس الخوف وأن البيوت تصمت قبل الغروب، وربما الليل طول أكثر؛ فالحرب تأتي بلا استئذان تدخل البيوت، وتصعد الدرج، وتجلس على المائدة، تجعل الناس يتساءلون عن أبسط الأشياء هل سيبقى الماء؟ هل سيعود الطفل سالماً من مدرسته؟ هل سننام الليلة دون خوف؟ فتتحول الحرب إلى حالة شعورية، إلى تجربة يومية، تجعل كل خطوة، كل حركة، وكل نفس، موضع تساؤل.
لكن رغم الرعب، تظهر معجزة الوعي، في خضم الدخان والخراب، يبدأ الناس بالملاحظة، بالتفكير، بالسؤال، يصبح الصمت أحيانًا صرخة داخلية، والحديث الواعي عن الحدث طريقة للتشبث بالحقيقة، نعلم أن الحرب مهما كانت شرسة، لا تستطيع سرقة وعينا، ولا محو حقنا في أن نعرف ونسأل ونتعلم.
الحرب تعلمنا أن الأمان ليس حقًا مكتسبًا، بل نعمة يهبها الله لكل من يتحلى بالصبر، ويزرع الأمل في قلبه، بلد طيب ورب غفور، يمنح القدرة على التحمل، ويزرع في النفوس الرجاء رغم الخراب المحيط. هنا، تصبح الصحافة أكثر من نقل أحداث؛ هي أمانة تحفظ ذاكرة الشعوب، وتثبت أن القلوب لا تنكسر بسهولة، وأن الحقيقة، مهما كانت موجعة، درع لا يُقهر أمام التضليل والخوف.
الحرب ليست بين الجبهات فقط، بل بين الخوف والحياة، بين اليأس والأمل، فكل انفجار وكل صورة مشوهة، وكل خبر مُؤلم، يصبح دعوة للوعي، وحافزًا للبحث عن المعنى، لتقدير الحياة، وللتشبث بالإنسانية مهما علت الرياح، فالصحفي هنا ليس مجرد ناقل للأخبار، بل شاهد على أقدار الناس، يحمل في مقالاته صدى الأمان المفقود، ويزرع الرجاء في النفوس المعلقة بين الخوف واليقين.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة بأن الحرب تنتزع الأمان من الأرض، لكنها لا تستطيع سرقته من القلوب التي تؤمن بالله، ولا من العقول التي تعرف قيمة الحياة، ولا من الشعوب التي تدرك أن البقاء ليس فقط في النجاة، بل في وعينا بما يحدث، وفي قدرة الإنسان على التحمل، والإيمان بأن الغد يحمل دائمًا فرصة للطمأنينة والصفاء.
نسأل الله أن يحفظ بلدنا الطيب، وأن يملأ قلوبنا بالأمان والسكينة، وأن يديم على وطننا عزّه ورخاءه، وأن يبعد عنَّا كل سوء، ويحمينا في ظل قيادتنا الحكيمة، فلا خوف على من جعل الله وطنه محفوظًا برعايته، ولا خوف على قلوب محبة تنبض بالأمل.
