رطانة الألسن وعقدة الممسوخ.. فحص في "لغة الهجين" بالجامعات

 

 

 

د. هلال بن حمود الريامي

 

إنّ الّلغة هي المعيار الأوّل الذي نقيس به صلابة الأمة أو ترهّلها، وهي المرآة الصادقة التي تكشف عن مكنونات النفس؛ فإمّا نفس تعزّ ببيانها فتستقيم لها مخارج الحروف، وإمّا نفس تستخذي لغيرها فتضطرب في رطانةٍ لا هي بالعربية المشرقة ولا هي بالأعجمية المفصحة. وما نراه اليوم في ديار العلم من خلط الطلاب بين لسان الضاد ولسان الغرب- في كلماتٍ مثل "بلدنج" و"كلاس" و"ميد"- ليس مجرد لغْوٍ عابر، بل هو "آفة نفسية" واستلاب في الشخصية قبل أن يكون ركاكةً في الّلسان.

والطالب الذي يهجر لفظًا عربيًا رصينًا مثل "مبنى" ليلوذ بكلمة "Building"، إنّما يعبّر عن هزيمةٍ داخلية؛ فهو يظنّ- واهمًا- أنّ ركوب متن العجمة هو معراج التطور، وما علم أنّ الرّقيّ الحقيقيّ هو إخضاع اللغات الأجنبية لخدمة الفكر، لا مسخ الهوية لخدمة الّلفظ. إنّ هؤلاء "الممسوخين" لغويًا يقفون في منطقةٍ وسطى مجدبة؛ فلا هم شربوا من معين البيان القرآنيّ الذي هو ذروة الفصاحة، ولا هم أتقنوا لغة الغرب ليخرجوا بها نتاجًا معرفيًا يعتدّ به.

يقول الشاعر حافظ إبراهيم، وقد صدق في تشخيص هذا التّنكّر:

أيهجرني قومي عفا الله عنهم ... إلى لغةٍ لم تتّصل برواة؟

سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى ... لعاب الأفاعي في مسيل فرات

وإذا نظرنا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجدنا أنّ الّله قد اصطفاه ليكون "أفصح العرب"، ولم يكن ذلك مجرد منقبةٍ لغوية، بل كان جزءًا أصيلًا من معمار الشخصية النبوية القادرة على التأثير والتغيير. لقد كان صلى الله عليه وسلم يعزّ بلسانه العربيّ عزًّا لا يدانى، وكان يقول: "أنا أفصح العرب، ميْد أنّي من قريش". لم يدخل في لسانه دخيل، ولم تشبْ بيانه عجمة، بل أوتي "جوامع الكلم" ليبين للناس مسار الحقّ في جملٍ كأنها قطع الجوهر.

إنّ نبيّكم الذي تقتدون به قد رفع شأن اللسان حتى جعله أداةً للحق، فكيف يرضى من ينتسب إليه أن يكون لسانه "أبتر" يستجدي ألفاظه من مائدة الآخرين؟ إنّ الله سبحانه قد حفظ هذه اللغة بقرآنه العظيم؛ فقال عزّ من قائل: ﴿قرْآنًا عربيًّا غيْر ذي عوجٍ لعلّهمْ يتّقون﴾. فالعربيّ الحقّ هو الذي لا عوج في فكره ولا في لسانه.

نصيحة من القلب: اصنعْ لنفسك وقارًا

يا شباب الجامعات وشاباتها، نصيحتي إليكم محفوفةً بالمحبة والاعتزاز: إنّ اللغة ليست ثوبًا نرتديه، بل هي "عقل" نفكر به. إنّ تمكّنكم من اللغة الإنجليزية مطلب حضاريّ لا ينكره عاقل، ولكنّ هذا التمكّن يفقد قيمته إذا صار سببًا في تهجين لغتكم الأم.

فكونوا على بصيرةٍ بما يخرج من أفواهكم:

1. إذا تكلمتم العربية، فاجعلوها محضًا خالصًا، وتخيّروا لفظًا أنيقًا يليق بكرامة طالب العلم.

2. اعلموا أنّ "المصطلح" العربيّ موجود وحيّ، فلا تميتوه بإهمالكم.

3. اقرأوا القرآن بتدبّر، واطّلعوا على عيون الأدب؛ فإنّ اللسان يصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤه القراءة الراقية.

وختامًا.. إنّ الّطالب الذي لا يستطيع التعبير عن يومه الدراسيّ بلغةٍ سليمةٍ، هو طالب "أميّ" وإنْ حمل أرفع الدّرجات. فليكن لنا من أنفسنا واعظ، ولنطهرْ ألسنتنا من رطانة التبعية؛ لنعود جيلًا يبني المعرفة بيد، ويحمي البيان باليد الأخرى، معتزًا بهويته، فخورًا بلسان نبيّه، مستقيمًا في قوله وفعله.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z