د.عبدالله الأشعل **
ثمة حقائق تسبق الحديث عن أسلوب إسرائيل في التفاوض، نوضحها كما يلي:
الحقيقة الأولى: أن إسرائيل تجسيد للمشروع السياسي الصهيوني الاستعماري.
الحقيقة الثانية: إسرائيل وكيل حصري للهيمنة الغربية وكل الدول الغربية بأقدار مختلفة من بين بواعثها مجاملة أمريكا.
الحقيقة الثالثة: أن إسرائيل هي مجموعة من لصوص الأوطان وبالتالي نظرتها إلى المفاوضات هي نظرة المافيا إلى التفاوض.
الحقيقة الرابعة: لا علاقة بين المشروع السياسي الصهيوني وبين الشريعة اليهودية الغراء، وحتى لو كان الصهاينة يهودا فقد أخبرنا القرآن الكريم عن صفاتهم السلبية بحيث يمكن إعلان إسرائيل عدوا للجنس البشري.
الحقيقة الخامسة: أن أمريكا هي الصورة المثالية للصهيونية الإجرامية المبكرة، ويترتب على ذلك أن إسرائيل هي صورة أمريكا والعلاقة بينهما علاقة عضوية ولا تستطيع إسرائيل أن تتوحش في المنطقة إلا بدعم أمريكا، وهي الولاية الحادية والخمسين وهي قاعدة متقدمة لتقمع الدول في المنطقة.
الحقيقة السادسة: أن منطق العصابة الإجرامية يحكم السلوك الإسرائيلي الذي يجافي القانون الدولي ويعتمد القوة الخارقة لتحقيق أهداف إسرائيل التوسعية.
الحقيقة السابعة: أن مشروع العصابة بني على الأساطير والأكاذيب وإرهاب الحكام العرب ويشمل القوة والغدر وعدم الامتثال لأي قانون واعتماد سياسة الاغتيالات التي تسميها إسرائيل القتل المستهدف.
الحقيقة الثامنة: أن التفاوض يشغل حيزا صغيرا من برنامج إسرائيل وهدف التفاوض هو تثبيت مكاسب استخدام القوة وتنتهي إلى أنها مفاوضات عبثية دافعها كسب الوقت.
الحقيقة التاسعة: أن المقاومة المسلحة عدو إسرائيل، والقضاء على المقاومة هدف أمريكي إسرائيلي.
الحقيقة العاشرة: أن العدوان الإسرائيلي ليحصل على الأرض هي مكافأة للمنتصر.
فإذا كانت القوة هي سر توحش إسرائيل وبقائها فإنَّ المفاوضات مكملة وتحصل بها إسرائيل على الأهداف التي لم تحققها في ساحات القتال.
والمفاوضات عند إسرائيل قائمة على الأوهام والأكاذيب ولذلك لم يكتب شيء عن مدرسة التفاوض الإسرائيلية بأي لغة.
ولذلك هذا المقال مبني على خبرة مباشرة وملاحظات واقعية؛ فعندما قرر عمرو موسى وزير الخارجية المصري عام 1991- وكان تولى للتو وزارة الخارجية- أن أتوجهُ إلى إسرائيل للقيام بمهمة التفاوض حول ما يطالبون به زورًا وبهتانًا من التعويضات بعد انسحابهم من سيناء، فقد أردتُ أن أجمع أكبر قدر من المعلومات عن أسلوبهم في التفاوض، وسألت من سبقوني في التفاوض معهم في كامب ديفيد وواشنطن واتفاق التحكيم حول طابا، فلم أظفر بشيء.
ورغم إدراكي للنظرية العامة للمفاوضات، إلا أنني اكتشفت في التفاوض معهم أمرا أشد تعقيدًا وهو أننا نكرهم جينيًا؛ فكان المطلوب أن أترجم طاقة الكراهية لهم إلى طاقة إيجابية لهزيمتهم.
فسجَّلت ملاحظات عامة تصورت أنها خطواتهم في التفاوض، وما أن طبقتُ عليهم هذه الخطوات حتى استسلموا تمامًا وسوف أقصُ ذلك في كتاب يصدر لاحقًا لإفادة أبنائنا.
المهم أنهم يرهقون الخصم ويغرقوه في التفاصيل حتى يكافح للوصول إلى نقطة البداية ويعتبرها انتصارًا.
وقد رفضت دعوتهم لي فيما بعد لأن أُدرِّس خبرتي معهم في المعهد الدبلوماسي في تل أبيب وأوضحت سبب رفضي بأنهم يغدرون بالنابه من العرب ولا يُطيقون وجوده، وسوف أروى في الكتاب خبرتي أيضًا عندما ترشحت لرئاسة الجمهورية؛ إذ عندما علمت آن باترسون السفيرة الأمريكية في القاهرة عام 2011، جاءت إلى منزلي خصيصًا لمُقابلتي وإثنائي عن الترشح، وصارحتني بما لم أكن أعرفه خلال 40 عامًا قضيتهم في وزارة الخارجية المصرية.
وأخيرًا في هذا المقال التمهيدي للكتاب، أزعم أن مكانة المفاوضات متواضعة وأنهم يضعون قواعد لإذلال المفاوضين العرب تتناقلها أجيالهم دون أن يسجلوها أو يعلقون عليها في دراسات. التفاوض مع مصر يختلف عن التفاوض مع أطراف عربية أخرى، ومستويات المفاوضات، لكنهم نجحوا في تحقيق أهدافهم مع كل الأطراف.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
