الجيل الخامس من التعليم (5.0) وأنسنته

 

 

أمل بنت سيف الحميدي **

 

يمثل الجيل الخامس من التعليم (Education 5.0) تحولًا نوعيًا في فلسفة التعليم المعاصر، إذ لم يعد الهدف مقتصرًا على دمج التقنية في العملية التعليمية، بل أصبح يتمحور حول إعادة توجيهها لخدمة الإنسان وتعزيز أبعاده المعرفية والاجتماعية والعاطفية. واستنادًا إلى منظمة اليونسكو (2021) فإن تطور التعليم ارتبط بتحولات معرفية وتقنية متعاقبة، انتقل خلالها من نموذج تقليدي متمحور حول المعلم إلى نماذج أكثر تفاعلًا ورقمية، وصولًا إلى مقاربة معاصرة تضع الإنسان في قلب العملية التعليمية.

وفي هذا السياق تؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن مستقبل التعليم ينبغي أن يقوم على «عقد اجتماعي جديد» يجعل التعلم عملية إنسانية قائمة على الكرامة والعدالة والشمول، مع توظيف التقنية لتعزيز القدرات البشرية لا لاستبدالها. كما شددت اليونسكو في توصيتها بشأن أخلاقيات الذّكاء الاصطناعيّ على ضرورة أن تظل الأنظمة الرقمية متمحورة حول الإنسان، وتحترم القيم الإنسانية، وتحقق التوازن بين الابتكار التقني والمسؤولية الاجتماعية. وانطلاقًا من هذه الرؤية، يُفهم التعليم (5.0) بوصفه تحولًا نوعيًا لا يقتصر على استخدام الذّكاء الاصطناعيّ أو المنصات الرقمية، بل يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والتقنية داخل البيئة التعليمية في إطار قيمي وإنساني شامل.

ووفقًا للمفوضية الأوروبية (2024) فإن التعليم شهد تطورًا متدرجًا يمكن توصيفه عبر خمسة أجيال متعاقبة ارتبطت بالتحولات الصناعية والتقنية العالمية؛ فقد اتسم الجيل الأول (التعليم 1.0) حتى أواخر القرن العشرين بالنمط التقليدي المتمركز حول المعلم والتلقين والاختبارات المعيارية، ثم برز الجيل الثاني (التعليم 2.0) منذ تسعينيات القرن العشرين مع انتشار الإنترنت، حيث تعزز التفاعل والتعلم التعاوني ومشاركة الطالب. ومع تطور الويب التفاعلي في العقد الأول من الألفية الثالثة ظهر الجيل الثالث (التعليم 3.0) القائم على التعلم الرقمي المفتوح وإنتاج المعرفة. أما الجيل الرابع (التعليم 4.0) فقد ارتبط بالثورة الصناعية الرابعة بعد عام 2015 تقريبًا، وركز على توظيف الذّكاء الاصطناعيّ والتقنيات الذكية وتنمية مهارات القرن الحادي والعشرين وربط التعليم بسوق العمل.

وفي المرحلة الراهنة يتبلور الجيل الخامس (التعليم 5.0)، الذي يستند إلى مقاربة إنسانية تجعل التقنية في خدمة الإنسان، وتؤكد الاستدامة والمرونة والعدالة الرقمية، بحيث تُعزَّز القدرات البشرية بدل أن تُستبدل بها. ويتسق هذا التوجه مع الإطار الذي طرحته المفوضية الأوروبية (2021) في تقرير (الصناعة 5.0)، والذي يقوم على ثلاثة مبادئ رئيسة هي: التمركز حول الإنسان (Human-Centricity)، بحيث تُصمَّم التقنيات لتعزيز رفاه الأفراد وكرامتهم؛ والاستدامة (Sustainability)، من خلال توجيه الابتكار لخدمة الأهداف البيئية والاجتماعية طويلة المدى؛ والمرونة (Resilience)، عبر بناء أنظمة قادرة على التكيف مع الأزمات والتحولات المستقبلية. ومن ثم فإن التعليم 5.0 يُعد امتدادًا تربويًا لهذا التحول، حيث تُسخَّر التقنيات الرقمية لتعزيز التعلم الشخصي والقيم الإنسانية في آنٍ واحد.

وفي سياق هذا التطور التاريخي، برز مفهوم التعليم الرقمي بوصفه مرحلة محورية في التحول المعاصر فقد عرّفت منظمة اليونسكو (2023) التعليم الرقمي بأنه عملية تعليم أو تعلم مدعومة بالتقنية، وتشمل أنماطًا متعددة مثل التعلم الإلكتروني، والتعلم عن بُعد، والتعلم المدمج، حيث تُوظَّف الأدوات الرقمية لتيسير الوصول إلى المعرفة وتعزيز التفاعل التعليمي. غير أن التحول المعاصر في الفكر التربوي لم يعد يكتفي بهذا التعريف الإجرائي، بل يؤكد ضرورة الانتقال إلى مقاربة أكثر شمولًا تقوم على "أنسنة التعليم الرقمي"؛ أي تصميم البيئات الرقمية بما يضع الإنسان في مركز العملية التعليمية، ويعترف بتفرد المتعلمين واحتياجاتهم المتنوعة، ويعزز الدافعية والإنصاف وجودة التعلم.

وفي هذا السياق، تشدد منظمة اليونسكو على أن استخدام التقنيات الرقمية، بما في ذلك الذّكاء الاصطناعيّ، ينبغي أن يكون داعمًا للقدرات البشرية ومحفزًا للتعلم الشخصي، مع احترام الكرامة الإنسانية وتحقيق العدالة التعليمية. كما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2021) أن التحول الرقمي في التعليم بأنه يجب أن يستند إلى مقاربة متمحورة حول الإنسان توازن بين الابتكار التقني وجودة التعلم ورفاه المتعلمين. ومن ثم فإن أنسنة التعليم الرقمي لا تمثل توجهًا عاطفيًا فحسب، بل إطارًا تربويًا قائمًا على مبادئ علمية وأخلاقية تهدف إلى تحسين جودة التعلم في البيئات الرقمية.

وقد أشارت منظمة اليونسكو (2019) إلى أن انتشار الشاشات والوسائط الرقمية أدى إلى بروز تحديات تتعلق بالعزلة الرقمية، وضعف التفاعل الإنساني، واتساع الفجوة في الوصول إلى الموارد التقنية. ويُعد هذا التحدي أحد المبررات الرئيسة لتبني مقاربة إنسانية في حوكمة التعليم الرقمي. ومن هنا برزت الحاجة إلى نهج يرتكز على الإنسان في حوكمة التعليم الرقمي، وهو ما أكدته اليونسكو من خلال تبني رؤية إنسانية تهدف إلى ضمان الشمول والإنصاف والمساواة، وتقليص الفجوات في الوصول إلى الإنترنت والأجهزة والمحتوى الرقمي، ومعالجة التحيزات في الخوارزميات المستخدمة في أدوات الذّكاء الاصطناعيّ.

وفي هذا الإطار، قدّمت دراسة الصالح (2025) نموذجًا تطبيقيًا لأنسنة التعليم الرقمي يقوم على أربعة أبعاد مترابطة لدعم التحول الرقمي في التعليم. يتمثل البعد الأول في التوعية، من خلال تعزيز مفهوم الاتزان أو الرفاه الرقمي وبناء ثقافة مدرسية تشجع الاستخدام المسؤول للتقنية، أما البعد الثاني فيرتبط بالتنظيمات والتشريعات، عبر إصدار سياسات تنظم الاستخدام الأخلاقي للذّكاء الاصطناعيّ، وتؤكد مبدأ الإنسانية في التصميم بحيث تبقى التقنية داعمة للمهارات البشرية لا بديلة عنها. ويبرز البعد الثالث في ممارسات التدريس والتعلم، من خلال تمكين التعلم الشخصي، وتعزيز التعاطف وبناء الثقة، واعتماد تصميم شامل يراعي التنوع والإنصاف. بينما يتمثل البعد الرابع في الحضور داخل البيئة الرقمية، سواءً كان حضورًا اجتماعيًا أو معرفيًا أو تدريسيًا، وفق إطار (مجتمع الاستقصاء) الذي يؤكد أن التعلم عملية اجتماعية بطبيعتها.

وعند إسقاط هذه الرؤية على السياق التعليمي في سلطنة عُمان، تتجلى أهمية المواءمة بين التحول الرقمي والمحافظة على الهوية والقيم الوطنية التي أكدت عليها رؤية عُمان 2040، والتي تسعى إلى بناء مجتمع معرفي قائم على الابتكار مع التمسك بالثوابت الثقافية. ويمكن للمؤسسات التعليمية في سلطنة عُمان أن تستثمر أدوات الذّكاء الاصطناعيّ والمنصات الرقمية في دعم التعلم الشخصي وتحسين جودة المخرجات، مع تعزيز قيم الانتماء والمسؤولية والتكافل الاجتماعي. كما أن ترسيخ مفهوم الاتزان الرقمي داخل المدارس والجامعات يسهم في حماية الطلبة من الإفراط في استخدام التقنية، ويعزز رفاههم النفسي والاجتماعي، انسجامًا مع التوجهات العالمية في أنسنة التعليم الرقمي.

إن الجيل الخامس (5.0) من التعليم، في ضوء هذه المعطيات، ليس مجرد نقلة تقنية، بل رؤية تربوية حضارية تعيد الاعتبار للإنسان في قلب العملية التعليمية. فالتقنية تمنح السرعة والكفاءة، غير أن الإنسان يمنح المعنى والغاية. ومن ثم فإن نجاح التحول نحو تعليم (5.0) في سلطنة عُمان مرهون بقدرة النظام التعليمي على تحقيق توازن مستدام بين ذكاء التقنية وعمق القيم الإنسانية، بحيث تبقى المدرسة فضاءً لبناء المعرفة والشخصية معًا، لا مجرد منصة لإدارة البيانات. وهو ما يجعل أنسنة التعليم الرقمي شرطًا منهجيًا لنجاح سياسات التحول الرقمي في المؤسسات التعليمية في سلطنة عُمان.

** باحثة تربوية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z