إشكالية العلاقات بين موسكو وتل أبيب

 

 

د. عبدالله الأشعل **

توترت العلاقات بين موسكو وتل أبيب فجأة لأوَّل مرة في تاريخ العلاقات الدبلوماسية وهدد بوتين شخصياً بأنَّ أي عدوان إسرائيلي على إيران سوف ترد روسيا العدوان مُباشرة. فما هو تفسير هذا الموقف الروسي؟ هل هو تحالف مع إيران أم أنه رفع لسقف المطالب الروسية من أمريكا وقطعًا تدرك موسكو العلاقة العضوية بين واشنطن وتل أبيب أم أن التوتر بين واشنطن وموسكو انعكس على موقف روسيا من إسرائيل خاصة في عصر ترامب ذي العلاقات الغامضة مع موسكو.

خلال الحرب الباردة انقسم العالم العربي بين موسكو وواشنطن وكلف ذلك العرب الكثير. لكن لم يدرك العالم العربي آنذاك طبيعة العلاقة العضوية بين أمريكا وإسرائيل؛ فكانت أمريكا كريمة جدًا وسندًا حقيقيًا لإسرائيل على عكس العلاقات العربية السوفيتية. وأغلب الظن أن موسكو أدركت طبيعة العلاقة العضوية بين أمريكا وإسرائيل وهذا أثر على طبيعة العلاقات بينها وبين بعض الدول العربية وهي مصر والجزائر والعراق وسوريا وليبيا واليمن؛ حيث نظرت موسكو إلى العرب نظرة تجارية ولم تمد العرب بالسلاح المطلوب، وكان الرئيس جمال عبدالناصر أكثر الأطراف شكوى من موسكو، حتى إنه خلال زيارة له في موسكو 1969، قَبِلَ بالمبادرة الأمريكية لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي. وراح المعلقون العرب يقارنون بين السلاح الأمريكي والسوفيتي رغم أنَّ الأخير كان تجارياً ويبدو أن موسكو لم تزود العرب الأصدقاء بالأسلحة المطلوبة لسببين: الأول: مراعاة علاقتها مع واشنطن، والثاني: عدم الرغبة في هزيمة العرب لإسرائيل.

ورغم أن إسرائيل تحارب القوات الروسية في أوكرانيا وإسرائيل لا تخفى أنها حليف لأمريكا ضد روسيا. ولدينا غزة والموقف منها طوال ثلاث سنوات فماذا كان موقف روسيا؟

خلال وجود الجيش الروسي في سوريا كان هناك اتفاق بين موسكو وتل أبيب يتيح الضربات الإسرائيلية في كل سوريا، ويتردد أن موسكو قبلت صفقة مع إسرائيل وأمريكا بعد التخلي عن نظام الأسد لصالح أمريكا وإسرائيل. والملاحظ أن بوتين يقود روسيا بدبلوماسية دقيقة. كما يتردد أن موسكو هي التي بذلت جهودا لكي ينجح ترامب في الانتخابات في الولايتين.

ولذلك قلتُ في البداية إن تهديد بوتين لإسرائيل- خاصة في عهد ترامب- هدفه الضغط على أمريكا طلبًا لحاجة روسية. والمعلوم أن ترامب باع قضية أوكرانيا لصالح روسيا وذلك باعتراف الرئيس الأوكراني والمخاوف الأوروبية التي قربتها من روسيا وأبعدتها نسبيًا عن أمريكا.

من ناحية أخرى، هناك شراكة استراتيجية بين إيران وروسيا والصين؛ فهُم يعتبرون أن تهديد أمريكا لإيران هدفه أن تدخل إيران إلى الحظيرة الأمريكية، ولكن إذا اعتقدت روسيا أن دعم إيران هزيمة لأهداف أمريكا في المنطقة، وإذا اعتقدت الصين ذلك، فإنَّ المعركة بين إيران وأمريكا غير مكلفة بالنسبة لروسيا والصين التي يمكن أن تنتهز الفرصة؛ فتضم تايوان إلى الدولة الأم وهي تريد ظروفًا مواتية لتنفيذ هذا القرار.

واجتهد المعلقون العرب متجاهلين أن موسكو اعتصمت بمصالحها مع واشنطن وكانت من أسباب مأساة 1967، تمامًا كما تقاعست موسكو خلال تحرش أمريكا بالعراق الذي استمر عامًا كاملًان وانتهى هذا التحرش باحتلال العراق.

وأميلُ إلى أن الدول الكبرى لديها مصالح تُراعيها بغض النظر عن مصالح حلفائها. وتدرك أمريكا أن إنهاك روسيا يجعلها ضعيفة لا تقوى على مهاجمة أوروبا كما أن بوتين يدرك الهدف النهائي لأمريكا وهي الانفراد بقيادة العالم وسحق القوة الروسية.

فهل عداء إسرائيل لروسيا يدفع روسيا إلى دعم المقاومة ضد إسرائيل؟ مستحيل، بل إن أمريكا انفردت بغزة ولديها برامج للقضاء على المقاومة، كما أن أمريكا اعترفت مؤخرا بضم الضفة الغربية الفلسطينية إلى إسرائيل فما هو موقف روسيا؟ أتوقع اللا موقف!

هذا الخط من سلوك موسكو يجعل إيران أقل أمانًا مع روسيا، ولكن مضطرة إلى كسب ما تقدر عليه من روسيا. ولا تنسى إيران أن روسيا كانت عونًا لإسرائيل ضد القوات الإيرانية وقوات حزب الله في سوريا.

وأخيرًا.. أُذكِّر بأنَّ جنرالات السياسة في مصر عام 1967، فسَّروا تقاعس موسكو عن مساندة حلفائها العرب مصر وسوريا اللتين اجتاحهما الجيش الإسرائيلي بدعم أمريكي كاسح، وفقًا لسببين؛ الأول: هو المحافظة على أسرار السلاح الروسي، والثاني أن هزيمة العرب بالسلاح الروسي تعني هزيمة للسلاح الروسي، وهذا يُجافي الحقيقة؛ فالهزيمة والنصر ليس مرهونًا كلية بنوع السلاح وحده، وهناك عوامل أخرى من ضمنها نوع السلاح.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z