إسرائيل تريد إسقاط النظام

 

 

د. إسماعيل بن صالح الأغبري

ارتفع شعار الشعب يُريد إسقاط النظام عام 2011 في عددٍ من الدول العربية ذات الثقل السكاني والجغرافي، ومثلت تلك الأحداث المدفوعة بأجندات إقليمية وغربية مخالب نهشت أجسام تلك الدول العربية، وكانت أقرب ما يكون إلى شعار تردد على ألسنة عدد من المسؤولين الغربيين وتحديدا الأمريكيين وهو خلق "الفوضى الخلاقة"، وقد عصفت تلك "الفوضى الخلاقة" بتلك الدول العربية؛ فأدخلتها في أوضاع سياسية خطيرة كثير منها لم يتعاف حتى الآن، سقطت أنظمة عربية بقصف غربي جوي مركز، وبعضها سقط بحشود الجماهير في تلك الدول وبضوء أخضر أمريكي غربي.

تشظّت دول عربية فصار لها رأسان في قيادة الدولة وجيشان وبرلمانان يتصارعان في حرب أهلية مريرة. ودول عربية كانت شوكة في خاصرة إسرائيل إلا أنَّ تلك الأحداث وشعار الشعب يُريد إسقاط النظام حول تلك الدول إلى ما يشبه الهيكل العظمي مقابل الغول الإسرائيلي المدعوم أمريكياً وغربياً.

خرجت تلك الجموع مزهوة بشعار الشعب يريد إسقاط النظام، ولوحت من خلال الخطب بأنَّ الشعوب مُقبلة على حياة سعيدة من الرفاه الاقتصادي والاستقرار السياسي، وأن السيادة للشعوب آتية، وأن تلك الدول سوف تلبس لباس الشورى (الديمقراطية) وأن الدكتاتوريات ولى عهدها، كما وُعدت تلك الشعوب ببساط أخضر من الأمن ولباس الاستقرار، وتمت مخاطبة الشعوب بأن الكرامة والعزة للشعوب ولتلك الدول آتية عاجلا لا محالة، وقد أُلبس ما سمي بالربيع العربي لباس الإسلام! وحكم الإسلام! وعهد الإسلام! ومجد الإسلام! واقتصاد الإسلام! وعدالة الإسلام!، فما كان من تلك الشعوب إلا أن تمت دغدغة مشاعرها، فسقطت تلك الأنظمة إلا أنها رأت حالها دون وجود ما يستر جسدها، فتلك الدول حتى ساعتنا هذه غير مستقرة سياسيا، وعدد منها فقد السيادة، وأصبحت إسرائيل والغرب يتحكمان في مفاصل الدولة، أما الحروب الأهلية فلم يتعاف منها عدد من تلك الدول، بل تشرد ملايين الملايين من تلك الشعوب كما قتل على إثر تلك الحروب وتدخلات الغرب عشرات الآلاف.

انهارت دول اقتصادياً أي حل الفقر محل المشارفة على الفقر، وصارت الديون للصناديق الغربية خانقة لها ما يعني التسليم بكل الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية الآتية من الغرب الذي لم يزل لم ينس هزائمه خلال الاستعمار العسكري للعالم الإسلامي.

تراجع مستوى الاهتمام بالقضية الفلسطينية إلى مستويات غير مسبوقة؛ لأنَّ شعوب تلك الدول لديهم هموم الجبال تعجز عن حملها، فتلك بعض آثار شعار الشعب يريد إسقاط النظام!!

اليوم.. شعار أمريكي إسرائيلي مفاده أمريكا وإسرائيل والغرب يريد إسقاط النظام في إيران، ما يعني تدخلًا سافرًا مخالفًا للقوانين الدولية، مفاوضات تجري فيتم العبث بما يحرز من تقدم، عبث بالسلم والأمن العالميين من أجل إسرائيل الكبرى، وتحقيق نبوءة التعجيل بظهور السيد المسيح، الصهيونية المسيحية في تحالف تام مع ما ورد في سفر التكوين والتوراة المحرفة من قيام مُلك سليمان وداود عليهما السلام من جديد ومُنطلقِهِ فلسطين المحتلة وهيكل سليمان تحت المسجد الأقصى!

بات الأمر مكشوفًا عن أطماع إسرائيل ومباركة الغرب لذلك عقب تصريح لا لبس فيه من سفير أمريكا في تلك تل أبيب من أنه من حق إسرائيل التوسع في أملاك إسرائيل التاريخية! في دول الشرق الأوسط ما يعني عدم معارضة الغرب إسرائيل في الزحف باسم التلمود والدين على الضفة الغربية وما يجاور فلسطين التاريخية من دول عربية! كانت إيران بأيدولوجيتها الدينية الند الأكبر ضد إسرائيل، والعائق الأكبر ضد سعي إسرائيل تحقيق ما تتمناه من منطلقات تلمودية ومناصرة صهيونية مسيحية.

شعار أمريكا وإسرائيل تريدان إسقاط النظام في إيران وبشكل علني سابقة وتشريع لكافة الدول الطامعة في إسقاط أنظمة تخالفها في السياسة أو تدعي أن حدودها تمتد إلى داخل تلك الدول كما في ذلك دق مسامير قاتلة في المواثيق الدولية والهيئات العالمية المنظمة للعلاقات البينية في هذا العالم المترامي الأطراف.

إن تحديد نوع النظام الحاكم أو الذي ينبغي أن يحكم هو تدخل في سياسات الدول، وأمريكا ذاتها لم ترض بتدخل روسي مزعوم لصالح حزب من الأحزاب خلال الانتخابات الأمريكية واشتداد المنافسة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

تحريض الشعب على قلب نظام الحكم في إيران، ووعده بأن عصرًا مزهرًا سيحل عليه هو بعينه فرض نظام حكم محدد المعالم على الشعب فكيف يعدون الشعب بالحرية وهم يحددون له شكل النظام الذي ينبغي أن يحكمه؟

إن إسرائيل شنت ضربة عسكرية استباقية على إيران دون تنديد دولي أو اعتبار ذلك يهدد السلم الدولي بينما كان يمكن لإيران فعل ذلك إلا أن ردة فعل الغرب ستختلف، ستجتمع المنظمات الدولية للتنديد بإيران، ولا يستبعد إدخالها في البند السابع عن طريق استصدار قرار أممي، ثم تشكيل تحالف دول عالمي بحجة حماية أمن الدول وحفظ المواثيق والقوانين الدولية من الانتهاك والعبث بها!

لا شك أن غياب أكبر قلعة صامدة في وجه إسرائيل سيعني انسياب السيل الجاف الإسرائيلي على دول العالم الإسلامي بأسرها لتحقيق النبوءة المزعومة توراتيًا وصهيونية مسيحية، وتشي الأوضاع الحالية، بإنه إذا تم التحول السياسي في إيران حسب الإرادة الغربية فإن الشرق الأوسط مقبل على قدوم ملك إسرائيلي تراوده الأحلام بزعامة الشرق الأوسط مع ملك الملوك في الغرب والعالم!

دول المنطقة والعالم العربي حاول منع الضربات إلا أن تلك المحاولات جاءت متأخرة جدًا، فقد ساهمت دول عربية في تأجيج الأوضاع والتحريض ضد إيران منذ عشرات السنين، وعملت على تهييج إسرائيل والغرب وأمريكا على إيران، بل بعضها كان يسعى لضرب إيران إسرائيليًا منذ سنين، وانخرطت دول عربية في التهييج ضد إيران مستخدمة أقذر أنواع الأسلحة الفكرية وهو سلاح التهييج الطائفي لحقن شعوب المنطقة بذلك الداء، كما إن دولًا عربية استخدمت ذلك السلاح عبر مغرديها ضد سلطنة عُمان؛ انتقامًا منها لعدم اصطفاف سلطنة عُمان مع مراد تلك الدول ولكن هذه الدول استشعرت مؤخرا خطورة إسقاط إيران عليها خاصة مع ما بدأ يتكشف من أطماع إسرائيلية مبنية على عقائد دينية في المنطقة العربية إلا أنه يبدو أن الوقت قد فات.

لطالما دعت سلطنة عُمان إلى مد الجسور العربية مع إيران إلا أن سهام دول عربية طالتها، فاندلعت صحافتها وألسنة مغرديها تقذف بحمم النيران على سياسة سلطنة عُمان.

طالما سعت سلطنة عُمان مع الدول العربية لكي تبني تعاونا مع إيران واعتبارها دولة جارة قريبة إلا أن صوت التهييج ضد إيران في الأوساط العربية ارتفع حتى ضد سلطنة عُمان صوت العقل والحكمة وسياسة الوصل، وليس سياسة التهييج والفصل.

يبدو أن عددًا من الدول العربية يردد سرًّا اليوم مقولة "أُكلت يوم أكل الثور الأبيض" ولا حين مندم.

إن إسرائيل والغرب سيمتص منهم حتى ما بقي من العظم، مشروعهما السيادة السياسية والاقتصادية والعسكرية فلا تقوم بعد ذلك أيدولوجيات اشتراكية أو إسلامية أو قومية تناهض الغرب وإسرائيل في العالم الإسلامي أو حتى في أمريكا اللاتينية، وقد لا يبقى حتى لروسيا أو الصين مخالب في الحديقة الخلفية للغرب وأمريكا، وأما إسرائيل نتنياهو فإنها عازمة على تجديد مصطلحات بني إسرائيل القدامى، وقد جاءت الضربة اليوم وإسرائيل قاب قوسين أو أدنى من الاحتفال الديني المتعلق بما لحق ببني إسرائيل من نكال على يد فارس!

عمومًا تمثل سلطنة عُمان ذلك الحكيم القديم دريد بن الصُمة أو دريد بن الصمة يمثل عُمان، فقد نصح قومه بما يؤدي إلى سلامهم، وتجنب معكرات الحياة الآمنة، إلّا أن قومه صدوا عنه، ثم ندموا على عدم أخذهم بنصيحته إلا أنه لات مندم.

 

 

الأكثر قراءة

z