التنمية الإدارية وصناعة القادة

 

 

 

د. علي بن حمدان بن محمد البلوشي **

في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، لم تعد التنمية تُقاس بحجم الموارد الطبيعية أو وفرة رأس المال فحسب؛ بل أصبحت مرهونة بقدرة الدول على بناء جهاز إداري كفؤ وقادر على توظيف المورد الأهم على الإطلاق: الإنسان. ومن هنا برزت التنمية الإدارية واستراتيجية توظيف الموارد البشرية كمدخل أساسي لتحقيق النهضة الشاملة، إذ تمثل الإدارة الفعالة العقل المدبر للتنمية، والوعاء الذي تُترجم من خلاله الرؤى إلى سياسات والبرامج إلى إنجازات ملموسة.

تُعرف التنمية الإدارية بأنها عملية مستمرة ومخططة تهدف إلى تطوير الهياكل التنظيمية وتحسين أساليب العمل ورفع كفاءة القيادات والموظفين بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد ويعزز الأداء المؤسسي. وقد ذهب عدد من المفكرين العرب إلى اعتبارها ركيزة للإصلاح الشامل، حيث يرى عبد الرحمن الدوري أنها جهد منظم لإحداث تغييرات إيجابية في السلوك الإداري بما يخدم أهداف التنمية الوطنية، بينما يؤكد علي السلمي أن التنمية الإدارية هي استثمار طويل الأمد في الإنسان والإدارة معًا. أما المفكرون الغربيون، وعلى رأسهم بيتر دركر، فقد ركزوا على بعدها الإنتاجي، معتبرًا أن جوهر التنمية الإدارية يكمن في تحويل المعرفة والمهارات البشرية إلى نتائج فعالة، في حين يرى هنري فايول أن الإدارة المتطورة هي أساس الاستقرار والتقدم في أي مؤسسة أو دولة.

وتكتسب التنمية الإدارية أهميتها من كونها الأداة القادرة على تحسين جودة الأداء الحكومي، وتقليص البيروقراطية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، إضافة إلى دورها في مواكبة التحول الرقمي وبناء مؤسسات مرنة قادرة على الاستجابة لمتطلبات العصر. كما أن توظيف الموارد البشرية وفق استراتيجية واضحة وعادلة يضمن استثمار الكفاءات الوطنية، ويحقق تكافؤ الفرص، ويُعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهو ما يجعل الإدارة شريكًا حقيقيًا في التنمية لا عائقًا أمامها.

ورغم هذه الأهمية، تواجه العديد من الدول، وخاصة العربية منها، تحديات حقيقية في تحقيق التنمية الإدارية المنشودة، أبرزها ضعف التخطيط الاستراتيجي، وهيمنة المحسوبية في شغل المناصب، ومقاومة التغيير داخل الأجهزة الإدارية، إضافة إلى محدودية برامج التدريب، وضعف الربط بين الأداء والترقية، وغياب معايير موضوعية لاختيار القيادات. هذه التحديات أدت في كثير من الأحيان إلى هدر الطاقات البشرية وتراجع كفاءة المؤسسات، ما انعكس سلبًا على مسار التنمية الشاملة.

غير أن تجاوز هذه الإشكالات ليس مستحيلًا، إذ يتطلب الأمر إرادة سياسية حقيقية، وإصلاحات تشريعية تضمن النزاهة والشفافية، واعتماد أنظمة حديثة لإدارة الموارد البشرية، والاستثمار الجاد في التدريب وبناء القدرات، إلى جانب ترسيخ ثقافة الجدارة والاستحقاق، والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة التي أثبتت أن الإدارة الرشيدة قادرة على إحداث تحولات كبرى في زمن قياسي.

وتقدم التجارب العالمية نماذج ملهمة في هذا المجال، حيث نجحت دول غربية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في بناء أجهزة إدارية تعتمد الكفاءة والجدارة أساسًا للتوظيف والترقية، وربطت الأداء بالحوافز والمساءلة. وفي آسيا، برزت سنغافورة كنموذج عالمي في الإدارة الحكومية الرشيدة، من خلال انتقاء القيادات بعناية فائقة على أساس النزاهة والكفاءة، فيما استطاعت كوريا الجنوبية أن تحقق قفزات نوعية عبر الاستثمار في التعليم الإداري والابتكار المؤسسي. وعلى الصعيد العربي، حققت دول خليجية ومنها بينها المملكة العربية السعودية والمغرب وسلطنة عمان تقدما ملحوظًا في تحديث الإدارة العامة، وتطوير القيادات، وربط المسؤولية بالمحاسبة ضمن رؤى تنموية واضحة.

ويظل اختيار القيادات الإدارية الكفؤة حجر الزاوية في إنجاح التنمية الإدارية، إذ تعتمد الدول الناجحة على استراتيجيات دقيقة في انتقاء القيادات، تقوم على معايير موضوعية تشمل الكفاءة العلمية، والخبرة العملية، والمهارات القيادية، والنزاهة، والقدرة على اتخاذ القرار وإدارة التغيير. كما تعتمد على آليات حديثة مثل مراكز تقييم القيادات، والتدريب المسبق والمستمر، والتخطيط للتعاقب القيادي، بما يضمن استدامة الأداء وتحقيق العدالة في الاختيار بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية.

ويمكن قياس نجاح هذه القيادات من خلال مؤشرات واضحة، أبرزها تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وتحسن جودة الخدمات، وارتفاع مستوى رضا الموظفين والمستفيدين، وتعزيز الشفافية، وتقليص مظاهر الفساد، فضلًا عن قدرتها على خلق بيئة عمل محفزة على الابتكار والعمل الجماعي. فالقائد الإداري الناجح هو من يوازن بين الكفاءة والعدالة، ويجعل من المؤسسة نموذجًا للحوكمة الرشيدة.

وفي الختام.. يتضح أن التنمية الإدارية ليست مجرد إصلاح إداري محدود؛ بل مشروع حضاري متكامل يبدأ ببناء الإنسان وينتهي ببناء الدولة الحديثة. وهي لا تتحقق إلا من خلال استراتيجية واعية لتوظيف الموارد البشرية واختيار القيادات المؤهلة على أساس الجدارة والنزاهة. فحين تتوافر الإدارة الكفؤة والقيادة العادلة، تصبح التنمية هدفًا قابلًا للتحقيق، وتتحول التحديات إلى فرص، وتخطو الدول بثبات نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.

** مستشار أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z