عيسى الغساني
بنوكُ التنميةِ تُشكّل ذراعًا اقتصاديًا للدول، تعمل بمنطق التنمية قبل التحصيل، والاستدامة قبل الربح السريع. غير أن الواقع يكشف ـ في حالاتٍ غير قليلة ـ عن غياب مفهوم القرض التنموي الذكي، واستبداله بقرضٍ تقليديٍّ جامد لا يميّز بين التعثّر الظرفي والإخلال التعاقدي، ولا يرى في بقاء الشركة قيمةً تنمويةً تستحق الحماية.
القرض التنموي الذكي ليس تنازلًا عن الانضباط الائتماني، بل هو إدارة رشيدة للمخاطر. جوهره أن التمويل التنموي شراكة ضمنية: ينجح المموِّل حين تنجح الشركة، ويتضرر حين تنهار. لذلك، فإن استدامة الشركات والحفاظ على الوظائف ليست مجاملاتٍ اجتماعية، بل مصلحة اقتصادية مباشرة للبنك والاقتصاد الكلي.
الإشكالية تبدأ عندما يُدار القرض بعقلية الربح المجرّد. عند أول هزّة سوقية ـ تعثّر متعاقدٍ رئيسي، انقطاع مفاجئ للتدفّقات النقدية، أو أزمة عامة ـ يُعامل التعثّر كخطأٍ أخلاقي يستوجب الضغط، فتُحتسب الأرباح رغم توقّف التدفّق، وتُفعَّل الضمانات في لحظة يُفترض فيها الإنقاذ. النتيجة معروفة: شركات تُغلق بدل أن تُعاد هيكلتها، وظائف تُفقد بدل أن تُحمى، وبنك يسترد أقلّ مما كان سيسترده لو دعم الاستمرارية.
التعثّر الناتج عن ظرفٍ طارئ ليس إخلالًا إراديًا. هو اختلال اقتصادي مؤقّت يستوجب أدواتٍ استثنائية: إخطار مبكر، تجميد مؤقّت للقرض، وقف احتساب الأرباح خلال فترة التقييم، ثم حلول تجارية مرنة مرتبطة بالتدفّق النقدي. هذا هو الفارق بين تمويلٍ يُنقذ القيمة وتمويلٍ يُصفّي الأصول.
التجربة الأوروبية أثناء جائحة كورونا قدّمت درسًا واضحًا. اختارت دول عديدة تجميد القروض، تعليق الفوائد، دعم الأجور، وتقديم منح غير مستردّة، بل وتعليق قوانين الإفلاس مؤقّتًا. لم يكن ذلك تسيّبًا ماليًا، بل حكمة اقتصادية حافظت على الاقتصاد الكلي، وعزّزت التماسك الاجتماعي، ووفّرت يقينًا اقتصاديًا مكّن من تعافٍ أسرع وأقلّ كلفة. أوروبا لم تُنقذ الديون فقط؛ أنقذت الشركات نفسها.
التحوّل المطلوب من بنك التنمية واضح: سياسات مكتوبة للتعثّر الطارئ، آليات تجميد تلقائي مشروط، إعادة هيكلة مرنة، أدوات دعم عند الأزمات العامة، وثقافة مؤسسية ترى في الوظائف قيمةً اقتصادية يجب صونها. القرض الذكي لا يُضعف البنك؛ يحميه على المدى المتوسّط والطويل.
الخلاصة أن بنك التنمية لا يُقاس بعدد القروض المُحصّلة، بل بعدد الشركات التي بقيت واقفة، والوظائف التي استمرّت، والأثر الاقتصادي الذي تحقّق. القرض الذي يُسهم في سقوط الشركة يفشل تنمويًا، أمّا القرض الذي يحافظ على استدامتها فهو الربح الحقيقي ـ ماليًا واجتماعيًا.
