مرباط.. وصناعة اقتصادها الثقافي

 

 

د. عبدالله باحجاج

زياراتي لمرباط، وهي احدى الولايات الساحلية الشرقية لمحافظة ظفار، تكاد تكون أسبوعية بمعية صحبة مستدامة؛ حيث نجد أرواحنا مشدودة إليها دائمًا، وفي التجارب الإنسانية المكان ليس جغرافيا؛ بل معنى تُدركه الأرواح، وتنقاد اليه الاجسام، وفي كل مكان ديني أو أثري في مرباط نُدرك بأرواحنا أنه قد مرَّ عليها بشر، انتصروا، وانهزموا، وتركوا أثرًا مرئيًا أو روحيًا، وغير مرئي، ونجده في ارواحنا عندما تسكن فيها السكينة والطمأنينة منذ أن تطأ أقدامنا ترابها؛ حيث تحتضن مرباط العديد من المعالم والحصون والمساجد، كالجامع الذي شُيِّد عام 551 هجرية، ومسجد النور الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 312 هجرية، وتزخر أيضًا بالبيوت الاثرية ذات الطابع المعماري العربي الإسلامي الأصيل مثل "بيت سيدوف"، الى جانب الأضرحة مثل ضريح بن علي الذي يعو للقرن السادس الهجري، وقبر العلامة أبوعبدالله محمد القلعي.

ومرباط قِبلة السياح المنشودة في شرق ظفار؛ حيث تمتزج الطبيعة الساحرة بالتاريخ العريق في مكان واحد.. جبال شاهقة وحصون ومواقع اثرية. وترتبط بصلالة عبر طريق أسفلتي بطول 76 كيلومترًا، واشتهرت بتجارة اللبان والخيول في العصور القديمة، وكانت من أهم روافد العلم والمعرفة آنذاك؛ لذلك مرباط أرض كلها مباركة بما وقع فيها من عبادات زاهدة، وحوادث سياسية ساهمت في تشكيل واقعنا المعاصر. وكل من قرأ أو اطلع على تاريخها الديني والتراثي، سيشعر أن زيارته لها ليست للجغرافيا رغم هيبتها وجلالها المستمد منهما؛ بل استعادة حالات، وكأنه عاشها من قبل، أو أن ولادة روحه كانت فيها.

كل من لم يشعر بتلك الروحانيات العميقة؛ فالخلل في زيارته لا فيها، لأنه فَقَدَ مفاتيح استقبالها الوجداني، وهي: التأمل، والصمت، والدعاء، بينما انبهر بالمعطيات المادية لها كمعانقة ساحلها وخلجانها وبيوتها العتيقة ببحر العرب، وربما يكون قد تحسَّر على اندثار الكثير من تراثها المادي، وبعضها سيصبح أثرًا بعد عينٍ كـ"بيت سيدوف" الذي صدر فيه منذ سنوات طويلة أوامر سامية، بإعادة ترميمه، ولم تجد حتى الان من ينفذها، ربما علينا الرهان الان على معالي السيد إبراهيم بن سعيد البوسعيدي وزير التراث والسياحة.

وفي كثير من الحالات، أطرحُ على نفسي التساؤل التالي: لماذا نستمتع بكل زياراتنا لمرباط؟ وفي العُطَل الأسبوعية والاجازات لن تجد مكانًا على شواطئها من كثرة مرتاديها. لم أبحث عن إجابة السؤال من مقوماتها السياحية: البحر والشواطئ الجميلة والخلجان وطيور النورس وقلاعها وحصونها وسوقها القديم؛ بل تعمَّقتُ في ما في أرواحنا من مشاعر وعواطف تجاه المكان، ووجدناه مكانًا تراثيًا يُساوي ذاكرة حية، ومآثره الدينية تساوي حالة روحية متوارثة.. وظفار كلها كذلك؛ بل بلادنا في عمومها، فهي ليست مجرد تراث محفوظ؛ بل تراث معاش، بحيث يمكن رؤية انعكاسات هذا التعايش في العادات والتقاليد وتفكير اهل عُمان، وظفار- خاصة مرباط- تحتفظ بنمط تديُّن يتعايش مع مكانه، مهما تقادمت عليه الأزمنة، وطرأت عليه المستجدات.

وتشكيل وزارة تربط التراث مع السياحة، دلالة على تلازمهما الغائي، وهي تعكس توجهًا متكاملًا في السياسة العامة، لذلك- ومن هذا الفهم- فإنَّ التراث ليس من الماضي، وانما ينبغي أن يكون مُنتَجًا سياحيًا وطنيًا. ومن هنا، نرى أن ولاية مرباط يمكن أن تتخصص في إقامة الاقتصاد الثقافي، وتنجح فيه بامتياز، ونضع هذا الملف فوق طاولة معالي السيد إبراهيم بن سعيد البوسعيدي وزير التراث والسياحة، وندعوه لزيارة مرباط، والتجوُّل فيها حتى تتضح لمعاليه تجليات الربط بين التراث والهوية والاقتصاد، وكيف نصنع الاقتصاد الثقافي لولاية مرباط؟

التساؤل سالف الذكر، ينقل التفكير العام لمفهوم اللامركزية من طابعه الذي يُركِّز على المحافظات كوحدة ترابية تُدار رأسيًا، إلى اللامركزية لكل ولاية في إقامة اقتصادياتها، وهي تتمتع بمزايا ومقومات صناعة اقتصاد خاص بها. هنا ستظهر لنا- على سبيل الاستدلال- ولاية ثمريت التي يمكن أن تتخصص في اقتصاد الأمن الغذائي، وولاية المزيونة التي تقع أقصى غرب محافظة ظفار، ويمكن أن تتخصص في الاقتصاد العابر للحدود العُمانية اليمنية ومن ثم للقرن الافريقي، وذلك عن طريق منطقتها الحرة التي تأسست عام 1999، لتكون بوابة البلاد التجارية نحو اليمن الجار الشقيق، وستزداد أهميتها في حقبة صناعة الاستقرار والتنمية في اليمن؛ حيث يمكن أن تكون بوابة تجارية لدول مجلس التعاون الخليجي لليمن وبقية دول القرن الافريقي.

ومدخل إقامة الاقتصاد الثقافي لولاية مرباط من خلال دعم مشاريع ترميم المنازل والمواقع العتيقة لإظهارها كمنتج سياحي جاذب ورافد اقتصادي، مع تعزيز الهوية الوطنية والثقافية، وبذلك نحقق أهم اهداف رؤية "عُمان 2040"، وهو تعزيز الثقافة والهوية الوطنية وخلق اقتصاد متنوع ومستدام. والسؤال التالي: كيف نُحوِّل البيوت العتيقة في مرباط من مهجورة أو آيلة للسقوط إلى قيمة اقتصادية؟ وهذه البيوت تملكها عائلات من الولاية نفسها، فكيف نُوجِّه المستثمرين اليها وتعم الفائدة المشتركة؟

هذه البيوت مقابلةٌ للبحر وتقع بجوار السوق القديم وعدد من القلاع والحصون، وبالقرب من ميناء الصيد، ولو استُثمِرَت وفق رؤية شاملة للاقتصاد الثقافي مع تحسين البنية الأساسية للمنطقة؛ فالصناعة هنا ستكون واعدة ومربحة من حيث إنها ستكون مصدر دخل وتُنتج فرص عمل متعددة لأبناء الولاية. على ان تقوم وزارة التراث والسياحة بتأهيل مُرشدين وحرفيِّين من أبناء الولاية لدواعي الصناعة المُستدامة، وتمكين ديموغرافيتها محليًا. هنا يتحول التراث الى اقتصاد، وتتحول بيوت واحياء مرباط القديمة ليس إلى فنادق وإنما إلى نمط حياة حديثة كمنتوج اقتصادي، مع إبراز التعدد في الهُوِيَّات العُمانية. وعندما كنتُ أبحثُ في نجاح الأشقاء المغاربة في تحويل البيوت القديمة في مدن مثل الرباط وفاس ومراكش الى دور ضيافة (Riad)، وجدتُها من أنجح التجارب الحديثة في تحويل البيوت القديمة الى دور ضيافة، وتمكَّنَ من خلالها الاشقاء من إنقاذ التراث عبر الاقتصاد الثقافي، لا المتاحف فقط، ويمكن الإفادة منها في بلادنا، على أن نجاحها كانت وراءه قوانين تحمي النسيج العمراني والاجتماعي، وتسهيلات ودعم لتحويل البيوت الى دور ضيافة، والتي أصبحت تنافس الفنادق في جذب السياح الذين وجدوا فيها أسلوب عيش عتيق وممتع محكومين بالطابع المحلي.

وعندما نُحوِّل البيوت القديمة في مرباط الى دور ضيافة مع الحفاظ على العمارة الظفارية العُمانية وحضور المطبخ الظفاري مع تقديم القهوة العُمانية والتمور والبخور واللبان، فإنَّ الزوار والسياح سيجدون فيها تجربة فريدة ونادرة، لأنهم سيجدون فيها مُتعة بصرية وسيكولوجية غير متوفرة في الفنادق، مهما كان حجمها، ولن يجدوها إلّا في المكان نفسه، ولنا في منطقة "مسفاة العبريين" في ولاية الحمراء بمحافظة الداخلية، مثالًا بارزًا على نجاح السياحية التراثية الثقافية. ولا شك أن تعميمها من المنظور الاقتصادي الاجتماعي سيكون بمثابة الخطوة الذكية التي تُلازِم التحولات المالية وانعكاساتها على المقدرة المالية لأفراد المجتمع، وتوجيه المجتمع إليها لتمكينه محليًا، وهذه من مجموعة بدائل حتمية لمواجهة التحولات الكبرى في بلادنا.

الأكثر قراءة

z