د. إبراهيم بن سالم السيابي
في بعض الأوقات تمر على الإنسان لحظات ضعف، يقف فيها ليتأمل ما يدور من حوله، أو يراجع شيئًا من حساباته، فيجد نفسه ليس في مزاج حسن، ربما بسبب ضغوطات اجتمعت عليه، أو حظ عاثر قابله، أو أمور لم تسر كما كان يتمنى. وفي مثل هذه اللحظات يبتعد الإنسان قليلًا عن ضجيج الحياة، ويجلس مع نفسه، فيرى أشياء ربما لم يكن يلتفت إليها وهو منشغل بأيامه.
ومن أكثر ما يكتشفه الإنسان في مثل هذه اللحظات أنه، مهما امتلك من قوة وإرادة وخبرة، ومهما اعتاد أن يجد الحلول ويتجاوز الصعاب، فإنه لا يملك كل شيء. هناك أمور يستطيع أن يعمل من أجلها، وأن يسعى إليها، وأن يطرق الأبواب بحثًا عن مخرج لها، لكنه يقف أحيانًا أمام أمور أخرى عاجزًا عن تغييرها، لا لقلة حيلة فيه، ولا لأنه لم يحاول، وإنما لأنها ببساطة ليست في يده.
قد يحدث خلاف بين الإنسان وشخص آخر، فيشرح وجهة نظره، ويقدم ما لديه من أسباب ومبررات، لكن الطرف الآخر يكون قد استقر في داخله على قناعة معينة، فلا يعود مستعدًا للاستماع مهما حاول صاحبه أن يوضح. عندها يدرك الإنسان أن قدرته على شرح موقفه لا تعني قدرته على تغيير قناعة الآخرين.
ومشاعر الآخرين تجاهنا واحدة من تلك الأشياء التي لا نملكها. قد تحب إنسانًا بصدق، وتحرص على قربه، وتبذل من أجله ما تستطيع، لكنك لا تستطيع أن تجعل قلبه يشعر بما تشعر به أنت. وقد تكون بينكما أيام جميلة وذكريات كثيرة، ثم تتغير الظروف وتتغير المسافات، وتجد نفسك أمام حقيقة مؤلمة: تستطيع أن تمنح محبتك، لكنك لا تستطيع أن تملك قلبًا آخر.
وليس في الأمر دائمًا من أخطأ ومن أصاب؛ أحيانًا تتغير الأشياء دون أن يكون هناك مذنب. بعض العلاقات لا تكتمل رغم صدقها، وبعض القلوب تبتعد دون أن يكون أحد قد أراد لها أن تبتعد. وربما يكون هذا من أصعب ما يتعلمه الإنسان؛ أن يتقبل شيئًا كان يتمنى من أعماقه أن يبقى.
ثم يأتي الفقد، ليضع الإنسان أمام الحقيقة الأكثر وضوحًا. حين نفقد إنسانًا عزيزًا، ندرك أن هناك أشياء لا تعود مهما تمنينا. نتمنى لو كان بإمكاننا أن نمنح من نحب مزيدًا من الوقت، أو أن نؤخر لحظة، أو أن نعيد لقاءً مضى، لكن الزمن لا يعود، ومن رحل لا نستطيع أن نعيده إلينا.
ومع ذلك، لا يرحل من نحب تمامًا. يبقى شيء منه في القلب، في صورة، أو مكان، أو كلمة، أو موقف صغير يمر بنا فجأة، فيعيد إلينا وجهًا غاب، فنبتسم للحظة، ثم نشعر بوخزة الشوق. وربما تكون الذكرى الجميلة هي الشيء الذي يبقى حين لا نستطيع الاحتفاظ بالإنسان.
وليست العلاقات والفقد وحدهما ما يعلّماننا ذلك. هناك أحلام تمنيناها وسعينا إليها، وأشياء أحببنا امتلاكها ولم نستطع، وأماكن تمنينا أن نكون فيها ولم نصل، وطرق ظننا أننا سنمضي فيها حتى نهايتها، فإذا بها تتوقف في منتصف الطريق. وليس بالضرورة أن يعني ذلك أننا لم نستحقها، أو أننا لم نحاول بما يكفي. فقد نبذل كل ما نستطيع، ثم يبقى هناك جزء من الحكاية لا نملك أمره.
وربما أكثر ما يتعب الإنسان أنه يظن أن كل باب مغلق يحتاج إلى مفتاح، وأن كل طريق متعثر يحتاج إلى محاولة أخرى، حتى يكتشف بعد وقت أن بعض الأبواب لم تُغلق ليبحث عن مفتاحها، وبعض الطرق لم تُكتب له منذ البداية.
وليس معنى أن بعض الأمور ليست في أيدينا أنها جاءت عبثًا أو تُركت للحظ؛ فما نجهله نحن لا يجهله الله، وما نعجز عن تغييره قد سبق في علمه وتقديره. نحن نسعى فيما نستطيع، ثم نطمئن إلى أن ما يحدث لنا ليس خارجًا عن قدر الله.
ولعل الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يعترف بهذه الحقيقة دون أن يراها هزيمة. يسعى حين يكون السعي ممكنًا، ويطرق الأبواب ما دام هناك باب يمكن طرقه، ثم يعرف متى يتوقف حين يصل إلى أمر ليس في يده تغييره. فليست كل الأشياء تُحل بالمزيد من المحاولة، وبعضها لا يحتاج منا إلا أن نتركه يمضي.
وعندها ربما يكون الأهدأ للقلب أن يقول: لقد فعلت ما استطعت، أما ما لم أستطع فعله فلم يكن في يدي. وليس علينا أن نصل إلى كل ما تمنيناه، ولا أن نحتفظ بكل من أحببنا. يكفي أن نكون صادقين في سعينا، أوفياء في مشاعرنا، وأن نفعل ما نستطيع حين يكون الأمر لنا، ثم نترك ما ليس لنا لله.
وتعود إلى ذهني كلمات الشاعر إبراهيم ناجي في قصيدة الاطلال:
يا حبيبي كلُّ شيءٍ بقضاء
ما بأيدينا خُلقنا تعساء
ثم أتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك». كلمات قليلة، لكنها حين تصل إلى القلب تجعله أكثر هدوءًا أمام أشياء لم يستطع تغييرها، وأكثر تصالحًا مع ما مضى.
فربما لا نحتاج أن نفهم كل ما حدث في حياتنا، ولا أن نجد تفسيرًا لكل ما فقدناه. يكفي أن نعرف أننا سعينا حين كان السعي ممكنًا، وأحببنا حين كان الحب في أيدينا، وتمسكنا بما استطعنا، ثم تركنا ما لم يعد لنا.
فكلُّ شيءٍ بقضاء.
