ليانغ سوو لي **
في سبتمبر 2021، وأمام التساؤلات التي كانت تفرض نفسها حول مُستقبل قضية التنمية العالمية، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال المناقشة العامة للدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، مبادرة التنمية العالمية، داعيا المجتمع الدولي إلى وضع التنمية في صدارة أطر السياسات الكلية العالمية، وتسريع تنفيذ خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030.
وبعد خمس سنوات، انتقلت المبادرة من طرح صيني إلى توافق دولي، ومن مواءمة الأهداف إلى ممارسات تعاون واسعة. فما الذي حققته مبادرة التنمية العالمية خلال هذه السنوات الخمس؟
أول ما حققته المبادرة هو ترسيخ توافق دولي على أولوية التنمية.
فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، عقدت الصين اجتماعا رفيع المستوى بشأن مبادرة التنمية العالمية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة للعام الرابع على التوالي، كما أطلقت منتدى العمل العالمي من أجل التنمية المشتركة، وعززت الحوار بشأن السياسات وتبادل الأفكار.
واليوم، تدعم المبادرة وتشارك في التعاون المرتبط بها أكثر من 130 دولة ومنظمة دولية، فيما وقعت قرابة 100 دولة ومنظمة دولية وإقليمية وثائق تعاون مع الصين في إطار المبادرة، وارتفع عدد أعضاء مجموعة أصدقاء مبادرة التنمية العالمية إلى 88 دولة. وهكذا يتسع التوافق على أولوية التنمية، وتتسع معه شبكة الشراكة العالمية من أجل التنمية، بما يعزز الثقة بقدرة التعاون الدولي على دفع التنمية إلى الأمام.
لكن تحويل التوافق في الرؤى إلى عمل مشترك يحتاج إلى آليات تعاون راسخة.
وخلال السنوات الخمس الماضية، شهدت آليات التعاون في مختلف مجالات المبادرة تطورا متواصلا. فقد استقطبت مجموعة العمل المعنية بتعزيز المبادرة في الأمم المتحدة أكثر من 20 مؤسسة إنمائية، فيما أطلقت الصين أكثر من 30 آلية ومنصة للتعاون، تغطي أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر للأمم المتحدة. كما أسهم إنشاء مركز تعزيز التنمية العالمية، وقاعدة المشروعات للتنمية العالمية، وقاعدة تمويل التنمية العالمية، وغيرها من المنصات، في نقل التعاون من مرحلة مواءمة الرؤى إلى مسار أكثر مؤسسية وتركيزا على المشروعات.
وفي القمة الصينية العربية الأولى عام 2022، أعلن الرئيس شي إدراج 30 مشروعا عربيا مستوفيا للشروط في قاعدة مشروعات مبادرة التنمية العالمية، في مجالات شملت القدرة الإنتاجية والبنية التحتية والطاقة والتمويل الأخضر. وتتبلور تدريجيا شبكة واسعة وفعالة لشراكات التنمية العالمية، توفر دعما عمليا لدول الجنوب العالمي في تعزيز قدراتها على تحقيق التنمية المستقلة.
الآليات تهيئ الأرضية، والمشروعات تحقق النتائج.
وخلال السنوات الخمس الماضية، توالت ثمار التعاون العملي في إطار المبادرة. فقد جرى، بدعم من صندوق الصين والأمم المتحدة للسلام والتنمية وصندوق التنمية العالمية والتعاون فيما بين بلدان الجنوب وغيرهما، حشد أكثر من 23 مليار دولار، وتنفيذ أكثر من 1800 مشروع من المشروعات «الصغيرة والجميلة» التي تلامس احتياجات الناس، فضلا عن تدريب أكثر من 200 ألف شخص، بما عاد بالنفع المباشر على سكان أكثر من 120 دولة.
وخلف هذه الأرقام تغييرات ملموسة في حياة الناس. فقد نقل خبراء صينيون تقنيات زراعة عشبة «جونتساو» إلى فيجي وغيرها من دول في جزر المحيط الهادئ، وأنشأوا مراكز نموذجية للزراعة، محولين أراضي كانت تعاني من الملوحة إلى موارد جديدة لزيادة الدخل. كما طُبقت نظام «مازو» للإنذار المبكر الذكي للأرصاد الجوية في باكستان وجيبوتي ودول أخرى، بما أسهم في تعزيز قدراتها على مواجهة الكوارث والحد من آثارها.
وفي عدد من الدول العربية، نفذت مشروعات تنموية واجتماعية شملت التغذية للأطفال اللاجئين، وتمكين النساء والشباب، وغيرها من المجالات. أما منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية (تيدا) في السويس، فقد وصفتها صحيفة «الشعب» الصينية بأنها نموذج ناجح للتنفيذ الصيني لمبادرة التنمية العالمية، إذ استقطبت أكثر من 200 شركة وبلغت الاستثمارات الفعلية فيها أكثر من 3.8 مليار دولار. وهكذا انتقلت المبادرة من إطار الأفكار العامة إلى واقع التنمية الملموس، ومن الحديث عن الحاجة إلى التنمية إلى مشروعات واستثمارات ونتائج يمكن لمسها.
وفي نهاية المطاف، تتجه هذه الجهود إلى هدف أكثر جوهرية: توفير فرص تنمية حقيقية لمختلف الدول، ولا سيما دول الجنوب العالمي.
ففي مجال التجارة، طبقت الصين سياسة الإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية على المنتجات القادمة من 53 دولة أفريقية تقيم معها علاقات دبلوماسية، لتصل منتجات مثل الأفوكادو الكيني والبن الإثيوبي إلى السوق الصينية، بما يسهم في توفير فرص العمل وزيادة الدخل ودفع التنمية الصناعية المحلية.
وفي مجال الابتكار، طرحت الصين ونفذت «خطة تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي لتحقيق المنفعة الشاملة»، كما شاركت 28 دولة في إطلاق منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي، بما يتيح لمزيد من الدول النامية الاستفادة من فرص التطور التكنولوجي.
ومن الأمن الغذائي والرعاية الصحية إلى البنية التحتية والاقتصاد الرقمي، تضع مبادرة التنمية العالمية التنمية في صميم الأجندة الدولية، وتستجيب للتطلع المشترك لدى شعوب العالم إلى التنمية والازدهار.
خمس سنوات تمثل مرحلة مهمة، لكنها في الوقت نفسه بداية لمرحلة جديدة. فما زال تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030 يواجه تحديات جدية، فيما لا تزال الفجوة التنموية بين الشمال والجنوب ونقص تمويل التنمية من القضايا الملحة. وفي عام 2027، ستبدأ الأمم المتحدة مسار إعداد أجندة التنمية العالمية لما بعد عام 2030. وأمام هذه التحديات الجديدة، تزداد الحاجة إلى توحيد الرؤى وتعزيز التعاون، بما يتيح لمزيد من الدول، ولا سيما دول الجنوب العالمي، تقاسم فرص التنمية.
ومن مبادرة صينية إلى عمل عالمي، أثبتت السنوات الخمس الماضية أن قوة أي مبادرة تنموية واستمراريتها لا تقاسان بحجم أهدافها، بل بقدرتها على الاستجابة للاحتياجات الفعلية، وتحويل التوافق إلى خطوات عملية، وصولا إلى تحسين حياة الناس. وفي هذا المسار، انتقلت مبادرة التنمية العالمية من الرؤية إلى الآلية، ومن الآلية إلى المشروعات، ومن المشروعات إلى نتائج تنموية أكثر واقعية وإفادة.
فالتنمية تطلع مشترك لشعوب العالم، ومسؤولية مشتركة للمجتمع الدولي. وفي المرحلة المقبلة، ستواصل مبادرة التنمية العالمية مواءمتها مع أجندة الأمم المتحدة للتنمية واستراتيجيات التنمية الوطنية لمختلف الدول، لتحويل المزيد من التوافقات إلى خطوات عملية، وإتاحة فرص التحديث لعدد أكبر من الدول، بما يسهم في بناء نظام عالمي للتنمية أكثر إنصافا واستدامة.
** إعلامية صينية
