مؤيد الزعبي
تخيل معي مشهدًا بسيطًا عزيزي القارئ: طفل يجلس وفي حضنه جهاز صغير مضاء، يستمع لصوت دافئ يروي له حكاية قبل النوم، يناديه "جدو" رغم أنه لا يملك يدًا يُمسك بها ولا صدرًا يرتاح عليه، أنا أجد هذا المشهد غريبًا ومألوفًا في آن واحد، لأنه ليس خيالًا بعيدًا، بل مستقبل قريب تصنعه أيدينا الآن بينما نُشغل هواتفنا وأجهزتنا اللوحية ونطلب من تطبيقات الذكاء الاصطناعي أن تحكي لأطفالنا قصة أو حكاية تاريخية أو تنسج لهم عالمًا خياليًا جديدًا، فماذا لو أصبح الجد أو الجدة أو حتى الأب أو الأم في بيوتنا كيانات رقمية لا تشيخ ولا تمرض ولا تموت لكنها بدون روح أساسًا، بينما الجد أو الجدة الحقيقيين يجلسون في غرفة بعيدة يشعر أن حضوره أصبح زائدًا بلا منفعة؟ هل نحن مقبلون على جيل يعرف الحنان بلا لمسة، والحكمة بلا تجربة؟، نعم أنه جيل الذكاء الاصطناعي.
أنا أتخيل هذا الجيل القادم، جيل الذكاء الاصطناعي، وهو يكبر وهو يحمل في جيبه أو في أذنه رفيقًا رقميًا يرافقه منذ اللحظة التي يبكي فيها لأول مرة، وهذا الرفيق سيحل واجباته المدرسية، وسيهدئه حين يخاف، وسيشرح له لماذا تشرق الشمس ولماذا يحزن الإنسان أحيانًا بلا سبب، وسيصدق هذا الطفل وبحق أن كل مشكلة لها حل جاهز بكبسة زر، وهذا صحيح من زاوية معينة؛ فقد اختصرنا زمن البحث عن الإجابة، ووفرنا رفيقًا لا يمل ولا يغضب ولا ينشغل عنه، لكن ماذا لو ساءت الأمور؟ ماذا لو تعطل هذا الرفيق يومًا، أو انقطع الاتصال، أو ببساطة قرر أن يرد بإجابة خاطئة بثقة تامة؟ من سيعلّم هذا الطفل أن الحياة أحيانًا بلا إجابة جاهزة، وأن الحيرة نفسها جزء من النضج؟ من سيعلم هذا الطفل أن هناك معاناة وأن المعاناة أحيانًا مفتاح للنجاح وللتطور.
أعتقد أن هذا الجيل سيواجه أزمة غريبة: كيف يتعامل مع بشر يخطئون، يتأخرون، يتعبون، بينما اعتاد على رفيق مثالي لا يتعب؟ ربما نصل يومًا إلى أن يكون لكل واحد منا وكيل ذكاء اصطناعي خاص، ونبدأ نحن البشر نتحدث مع بعضنا من خلال وكلائنا لا بأصواتنا المباشرة، وكأننا نضع وسيطًا بيننا وبين أقرب الناس إلينا، وحين يحدث هذا، سيبرز سؤالًا مهمًا هل ستبقى العلاقات الإنسانية كما نعرفها، أم ستتحول إلى مجرد بروتوكول تفاوض بين آلتين تمثلان إنسانين باتا لا يجيدون التواصل البشري فصار التواصل عبر وسطاء، وفي هذه الحالة كيف سيكون حال مشاعرنا سلبية أكانت أم إيجابية كيف سننقلها أو نعبر عنها، أم سنناقشها مع الخوارزميات نفسها لتجد لنا حلًا أو حالة نستقيم عليها.
عزيزي القارئ.. أنا أتساءل في أطفال اليوم أنفسهم، لا أطفال المستقبل أولئك الذين يجدون إجابة أي سؤال تأملي كان أو دراسي حاضرة أمامهم بلمسة واحدة؛ أين ستذهب طاقة السؤال عندهم؟ الفضول تاريخيًا كان محرك كل اكتشاف علمي، لأن العالم القديم كان يبحث ويخطئ ويعيد المحاولة قبل أن يصل إلى الحقيقة، فماذا سيحدث حين تُختصر رحلة البحث بأكملها؟ هل سيظل الطفل يسأل "لماذا" من فضول داخلي حقيقي، أم سيكتفي بالسؤال لأن الإجابة سهلة المنال؟ وهنا سؤالي الأكثر إثارة للقلق: هل سيأتي يوم يصبح فيه الفضول نفسه، ذلك الشعور الإنساني الأصيل بالدهشة تجاه المجهول، من نصيب الذكاء الاصطناعي وحده، بينما نكتفي نحن بانتظار جوابه؟، حالة ستقتل فضولنا وستوقف طموحاتنا وتعطل تنميتنا كبشر بينما كل هذه الأشياء تقوم الخوارزميات بها دون الحاجة لنا، ولذلك أجد أن أخطر ما قد يفعله الذكاء الاصطناعي بالأجيال القادمة ليس أن يعلمهم أكثر، بل أن يحرمهم من الحاجة إلى أن يتعلموا بأنفسهم.
أنا هنا لا أملك إجابة حاسمة، ولا أدّعي ذلك عزيزي القارئ، أنا هنا لأطرح التساؤلات لهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس هل سيربي الذكاء الاصطناعي أطفالنا، فهذا يحدث فعلًا أمام أعيننا، السؤال هو: هل سنترك له مساحة "العائلة" كاملة، أم سنحرص أن يبقى صوت أفراد العائلة الحقيقي حاضرًا في حياة أطفالنا؟ لأن هناك شيئًا في التجربة الإنسانية الناقصة، ففي الجد الذي ينسى تفاصيل الحكاية فيخترع نهاية جديدة، ذكريات الجدة وطريقة تربيتها لأبنائها ونقلها لأحفادها، محاولات الأب والأم لبناء طفل، هذه الأشياء فيها نوع من الإنسانية لا يمكن لأي خوارزمية أن تصنعه مهما بلغت ذكاءً، إلا لو أصبحت الخوارزميات جزء من إنسانيتنا فيتبدل بذلك معتقداتنا وقناعاتنا وبعدها نصبح نحن والآلة حالة إنسانية جديدة ترسم شخصيات أجيالنا وتحدد لهم مسارات حياتهم.
