لا شيء

 

 

 

ريتّا دار

darrita936@gmail.com

 

«لا شيء» عند النساء ليست إجابة؛ هي دائمًا تكون سؤالًا متنكرًا، والسؤال غالبًا هو: هل تعرف ما بي، أم أن السنوات التي قضيتها في معرفتي كانت نشاطًا ترفيهيًا لم تستفد منه بشيء؟

لهذا، عندما يسأل رجل امرأة: «ما بك؟» فتجيبه: «لا شيء». فإن الحوار، من الناحية اللغوية، قد انتهى. أما من الناحية العملية، فقد بدأ للتو.

والمشكلة أن الخيارات المتاحة أمامه ليست كثيرة، ولا مبشّرة، ولسوء حظه كلها خاطئة.

إذا قال: «حسنًا»، فقد أثبت أنه لا يهتم.

وإذا سأل: «هل أنت متأكدة؟»، فقد أثبت أنه لاحظ وجود مشكلة، لكنه لا يعرفها، وهذا بالتأكيد ليس جيدًا.

أما إذا قال: «أعرف أن هناك أمرًا ما»، فقد فتح على نفسه بابًا آخر: «إذا كنت تعرف، فلماذا تسأل؟»

وهنا لا أنصح أبدًا بالتخمين أو الصمت. ليس لأنها حلول خاطئة، بل لأنها مكلفة جدًا. خصوصا أنك في مشكلة لا تعرف عنها شيئًا، لكنك متورط فيها بطريقة ما.

والحقيقة أن معنى كلمة «لا شيء» ليس واحدًا كما يظن البعض، بل مجموعة كاملة من الاحتمالات. لها درجات ونبرات ومستويات خطورة، وكان من المفترض أن نتعلم كيفية التعامل معها وإدراجها ضمن إشارات التحذير إلى جانب الزلازل والحرائق.

هناك «لا شيء» العادية، وقد تعني فعلًا أنه لا يوجد شيء، وهي حالة نادرة، لكنها تستحق التوثيق والتسجيل تاريخيًا.

وهناك «لا شيء» التي تُقال مع ابتسامة قصيرة لا تصل إلى العينين. هذه تحتاج إلى مراقبة.

وهناك «لا شيء» المصحوبة بترتيب الأشياء بعنف غير ضروري أو إغلاق أحد الأدراج بقوة تزيد قليلًا على حاجته الفيزيائية إلى الإغلاق. هنا بدأنا ندخل منطقة تستحق الحذر.

أما «لا شيء، أنا بخير» فتحتاج إلى خبرة. والأفضل اعتبارها إنذارًا رسميًا بإخلاء المنطقة.

لأن الإنسان الذي بخير عادة لا يشعر بحاجة إلى إصدار بيان رسمي يؤكد ذلك.

وتزداد المسألة تعقيدًا عندما يكون سبب «اللا شيء» قديمًا؛ فالرجل، بحسن نية، يبدأ البحث في آخر أربع وعشرين ساعة. هل نسي موعدًا؟ لا. هل قال شيئًا صباحًا؟ لا. هل ارتكب مخالفة واضحة يمكن الاعتذار عنها وإنهاء القضية؟ للأسف، لا. لكن الملف قد يعود إلى الخميس قبل الماضي، عندما كانت تحكي له قصة طويلة عن زميلتها، فقال في لحظة مصيرية: «حسنًا».

هي تتذكر الساعة التي لم يقل فيها الجواب الذي كان يجب أن يعرفه بطريقة ما. وهو لا يتذكر الخميس قبل الماضي أصلًا.

وهذه إحدى الفروق التي لم يجد العلم لها تفسيرًا مرضيًا حتى الآن: قدرة بعض النساء على الاحتفاظ بتسجيل عالي الدقة لحوار قديم، بما في ذلك الكلمات والنبرة وموقع المتهم لحظة ارتكابها، ثم استدعائه كاملًا عند الحاجة.

وقد يحاول الرجل الدفاع عن نفسه قائلًا: «لكنني لم أقصد شيئًا». وهذه، في رأيي، طريقة ممتازة لنقل القضية من المحكمة الابتدائية إلى محكمة الاستئناف.

والأمهات أيضًا بارعات في هذا الفن.

تسأل أمك: «هل أنت غاضبة؟» فتجيب: «أبدًا».

ثم تبدأ بتنظيف المطبخ بطريقة توحي بأن المطبخ هو المسؤول شخصيًا عما حدث.

وتعيد ترتيب الصحون، وتمسح سطحًا نظيفًا أصلًا، وتحرك الأواني بنشاط عسكري، بينما يفهم جميع الموجودين في المنزل أن كلمة «أبدًا» لا ينبغي تفسيرها حرفيًا في هذه المرحلة.

لكن دفاعًا عن النساء، وهو دفاع أراه ضروريًا قبل أن أخسر نصف قرائي، اكتشفت مع الوقت أننا لم نخترع «لا شيء»، وهي ليست حكرًا علينا أصلًا.

نحن فقط منحناها شهرة أكبر.

فالرجال لديهم نسختهم الخاصة منها.

تسأله: «ما بك؟» فيقول: «لا بأس.»

وهذه هي «لا شيء» نفسها، لكنها بقصة شعر أقصر، ترتدي قميصًا رجاليًا وترفض الحديث عن مشاعرها.

قد يكون الموضوع أنه خسر صفقة، وتشاجر مع صديقه، وتعطلت سيارته، ويعيد النظر في القرارات التي اتخذها منذ عام 2009، ومع ذلك سيقول بثبات: «لا بأس.»

ثم يجلس صامتًا أمام التلفاز، ويغيّر القنوات سبع عشرة مرة، كأن الحل موجود على قناة وثائقية ولم يعثر عليه بعد.

إذن، يبدو أن المسألة ليست نسائية كما أحببنا أن نعتقد.

حتى الأطفال يتعلمون اللعبة مبكرًا.

تسأل طفلًا عاد من المدرسة بوجه يكفي لإعلان الحداد: «ماذا حدث؟».

فيقول: «لا شيء».

ثم تكتشف بعد عشر دقائق أن صديقه لم يجلس بجانبه، والمعلمة وبخته، وقلمه الأزرق ضاع، وهناك أزمة دبلوماسية كاملة بسبب قطعة بسكويت.

نحن جميعًا نقول «لا شيء». نقولها بأسماء مختلفة فقط.

«أنا بخير»، «الأمور جيدة»، «ليس مهمًا»، «مجرد تعب»، «دعك من الأمر».

وكلها، في بعض الأيام، أقنعة مهذبة لجملة أطول بكثير لا نملك طاقة لقولها.

لأن سؤال «ما بك؟» يبدو بسيطًا جدًا بالنسبة إلى الشخص الذي يسأله. كلمتان فقط.

أما الشخص المقابل، فقد يحتاج للإجابة عنه إلى مقدمة تاريخية، وثلاث شخصيات رئيسية، وشخصيتين ثانويتين، وحادثة وقعت في طفولته، وعلاقة انتهت منذ سنوات، وما قاله مديره صباح اليوم، وسبب غير مفهوم جعله يحزن عندما لم يجد نوع الحلوى الذي يفضله في المتجر.

وبعد نصف ساعة من الشرح، قد يتوقف هو نفسه ويسأل: «لحظة... ما الذي كنا نتحدث عنه؟».

أحيانًا نحن فعلًا لا نعرف ما بنا.

هناك أيام لا يحدث فيها شيء كارثي، ومع ذلك نشعر أن الحياة كلها تجلس فوق صدورنا.

لم تقع مصيبة. لم نخسر أحدًا. لم نتلق خبرًا سيئًا. فقط تراكمات أشياء صغيرة جدًا.

نوم ناقص هنا، كلمة ثقيلة هناك، مهمة تأجلت، شخص خيّب ظننا قليلًا، فاتورة وصلت في توقيت يتمتع بحس فكاهي رديء، ورسالة قرأناها بنبرة ربما لم يقصدها صاحبها أصلًا.

كل واحدة منها لا تستحق اجتماعًا طارئًا.

لكنها اجتمعت.

والبشر، على عكس الهواتف، لا يظهر على جباههم تنبيه يقول: «مساحة التخزين ممتلئة، يرجى حذف بعض المشاعر القديمة».

لذلك نقول: «لا شيء».

ليس لأننا نريد دائمًا أن يبدأ الآخر رحلة البحث عن الكنز، ولا لأننا نتوقع منه امتلاك قدرات خارقة في قراءة الأفكار.

أحيانًا نقولها لأن شرح ما نشعر به أصعب من احتماله، ولأن من المستحيل ضغط ملف كامل في رأسنا لتقديم إجابة.

وأحيانًا لأننا نخشى أن نبدأ الكلام، فنكتشف أن الموضوع أكبر مما كنا نظن.

وأحيانًا لأننا نريد فقط أن يجلس أحد إلى جوارنا، من دون تحقيق، ولا نصائح، ولا تلك الجملة المستفزة: «لو كنت مكانك...».

شكرًا، لكنني بالكاد أحتمل وجودي في مكاني، ولا أحتاج إليك فيه أيضًا.

ولهذا، ربما أخطأنا حين اعتبرنا «لا شيء» كلمة فارغة؛ فهي، في بعض الأحيان، مزدحمة إلى درجة لا تسمح بخروج كلمة أخرى.

وربما كانت هذه أغرب مفارقات اللغة البشرية: أن نحتاج إلى كلمتين فقط لنقول إنَّ لدينا أشياء كثيرة لا نعرف كيف نقولها.

ولذلك أعتقد أن المشكلة في سؤال «ما بك؟» أننا نتعامل معه كأنه سؤال قصير يستحق إجابة قصيرة، بينما قد يحتاج صاحبه أحيانًا إلى استراحة، وفنجان قهوة، وساعتين من الشرح، وسبورة لرسم العلاقات بين الشخصيات.

وأنا مثلكم، لا أملك وصفة سحرية للتعامل مع «لا شيء»، ولا أظن أن البشرية ستتوصل إليها قريبًا. لكن ربما يكفي أحيانًا أن نعتبرها لافتة بمعنى أن "المعلومات المطلوبة غير متاحة حاليًا، حاول لاحقًا".

لكنني، بعد كل هذا، خرجت بقاعدة واحدة أستطيع الدفاع عنها بثقة: إذا سألت امرأة أو رجلًا أو طفلًا: «ما بك؟» وكانت الإجابة: «لا شيء».. لا تقل: «حسنًا».

لقد شرحت لك الأمر في ألف كلمة. وإذا قلتها بعد كل هذا.. فأنت تستحق ما سيحدث لك!

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z