سُلطان بن خلفان اليحيائي
مع انطلاقة العام الدراسي الجديد تفتح المدارس الحكومية أبوابها من جديد. تعود الحقائب إلى الظهور وتمتلئ الفصول بأصوات الطلبة ويقف المعلّم أمام طلابه كما اعتاد أن يفعل. لكن المدرسة التي تفتح أبوابها هذا العام ليست هي المدرسة التي عرفناها قبل سنوات قليلة.
المعرفة لم تبقَ محصورة في الكتاب أو المكتبة أو السبورة. أصبح الطالب أمام أداة قادرة على الشرح والتلخيص والتحليل والترجمة وإنتاج النص والصورة والصوت خلال ثوانٍ. ومع أدوات مثل ChatGPT أصبح الحوار مع الآلة أقرب إلى الحوار مع إنسان يفهم السؤال ويرد عليه.
وهنا يعلو صوت الجرس لا إيذانًا بالفسحة وإنما إيذانًا ببدء التحدّي؛ فالتحدي اليوم ليس في الوصول إلى المعلومة بقدر ما أصبح في التحقّق منها وفهمها وحسن استخدامها. المدرسة في عصر المعلومات كانت تعلّم الطالب كيف يصل إلى المعرفة. أما المدرسة في عصر الذكاء الاصطناعي فعليها أن تعلّمه كيف يفكّر في المعرفة ويحكم عليها.
كلما أصبحت الآلة أقدر على الإجابة أصبح الإنسان أكثر حاجة إلى تعلّم السؤال. وكلما أصبحت أسرع في إنتاج النص، أصبح الإنسان أكثر حاجة إلى فهم المعنى.
وفي هذه المرحلة نقف أمام تحدٍّ غير معتاد.. تحدٍّ يعيد تعريف معنى التعليم نفسه.
فليست المشكلة في أن يستخدم الطالب الذكاء الاصطناعي؛ بل في أن يستخدمه بدلًا من أن يفكّر.
إذا أصبح الذكاء الاصطناعي هو الذي يبحث ويحلّل ويكتب ويختار بدلًا من الطالب فقد ينجز الطالب مهمته لكنه لا يتعلّم بالضرورة. وقد يتحول الاعتماد على الآلة مع الوقت إلى تراجع في القدرة على التفكير والبحث والمحاولة وصناعة الرأي.
الآلة يمكن أن تساعد الطالب على الوصول إلى المعرفة لكنها لا ينبغي أن تعفيه من طريق الوصول إليها. ويمكنها أن تقترح فكرة لكنها لا ينبغي أن تختار موقفه. ويمكنها أن تساعده في الكتابة لكنها لا ينبغي أن تكتب تجربته بدلًا منه.
وهذا ما تحذّر منه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من الخلط بين إنجاز المهمة وبين حدوث التعلّم. فقد تحسّن أدوات الذكاء الاصطناعي جودة الناتج بينما يكون الطالب قد بذل جهدًا فكريًا أقل. وفي المقابل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة تعليمية قوية عندما يُستخدم لهدف تربوي واضح وتحت توجيه المعلّم.
وبذلك يصبح التقويم نفسه بحاجة إلى مراجعة فإذا كانت الآلة قادرة على كتابة الإجابة فما الذي نريد أن نقيسه في الطالب؟ قدرته على الحفظ أم قدرته على النقاش؟ قدرته على إنتاج الإجابة أم قدرته على اكتشاف الخطأ فيها؟
وهنا تصبح المشروعات والبحوث والمناقشات والدفاع عن الأفكار وتحليل الحالات الواقعية واكتشاف الأخطاء في إجابات الذكاء الاصطناعي أكثر أهمية من قياس القدرة على استرجاع المعلومات وحدها.
ومن ثم يرتفع دور المعلّم بدلًا من أن يتراجع؛ فالمعلّم ليس مطالبًا بمنافسة الآلة في سرعة الإجابة وإنما بأن يجعل الطالب يفكّر ويسأل ويناقش ويشكّك ويربط ويفهم لماذا قبل إجابة ولماذا رفض أخرى. وهذه قيمة إنسانية لا تقاس بسرعة المعالجة ولا بكمية المعلومات.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية AI Literacy؛ أي المعرفة العميقة بالذكاء الاصطناعي؛ فالمطلوب ليس فقط أن يعرف الطالب كيف يكتب Prompt (الأوامر) جيدًا فحسب؛ بل أن يعرف متى يستخدم الذكاء الاصطناعي ومتى لا يستخدمه وأن يدرك احتمالات الخطأ فيه وأن يتحقّق من مصادره ويميّز بين المعلومة والرأي ويتحمّل مسؤولية ما يقدّم.
الطالب الذي يعرف كيف يسأل الذكاء الاصطناعي مهم لكن الطالب الذي يعرف كيف يشكّك في إجابته أهم.
ومن هذا المنطلق نصل إلى مسؤولية التربية. لقد أصبح الاسم الرسمي للجهة المعنية بالتعليم في سلطنة عُمان “وزارة التعليم” لكن غياب كلمة “التربية” من الاسم لا ينبغي أن يعني غيابها من الوعي؛ فالمدرسة لا تبني المعرفة وحدها وإنما تبني السلوك والضمير والمسؤولية.
والأسرة شريك أصيل في هذه المهمة. فهي المدرسة الأولى التي يتعلّم فيها الإنسان الصدق والانضباط والاحترام وتحمل المسؤولية. وإذا كانت المدرسة تعلّم أبناءنا كيف يقرأون العالم فإن الأسرة تعلّمهم كيف يعيشون فيه. ومع اتساع الحضور الرقمي أصبحت Digital Citizenship (المواطنة الرقمية) جزءًا لا يتجزأ من التربية.
لذلك لا ينبغي أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة جديدة نضيفها إلى المدرسة ثم نبحث بعد ذلك عن استخداماتها. السؤال الأول يجب أن يكون: ما الإنسان الذي نريد أن تخرجه المدرسة؟ ثم يأتي السؤال الآخر: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في بناء هذا الإنسان؟
وفي هذا السياق تستطيع عُمان أن تبني على ما تحقّق في مجال الذكاء الاصطناعي في التعليم من أدلة ومبادرات لبناء القدرات ونشر الثقافة وتطوير المساعدات الذكية وتحليل الأداء وأساليب التقويم.
لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية أوضح على أن يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة تعين المعلّم ولا تحل محله وتساعد الطالب على التعلّم ولا تعفيه من التفكير وتدعم Personalized Learning (التعلّم المُخصَّص) وفق احتياجاته وقدراته.
كما ينبغي أن تزداد مساحة Critical Thinking (التفكير النقدي) وحل المشكلات والإبداع والبحث والعمل الجماعي في المناهج مع حماية خصوصية الطلبة وبياناتهم؛ فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني المزيد من الشاشات. وقد تكون أكثر المدارس تقدمًا هي المدرسة التي تعرف متى تستخدم التقنية ومتى تضعها جانبًا.
الهدف في النهاية ليس أن نخرج جيلًا يعرف كيف يستخدم أعظم أدوات عصره فحسب وإنما أن نخرج جيلًا قادرًا على استخدامها دون أن يسلّمها عقله.
فنحن نعد أبناءنا لسوق عمل تتغيّر وظائفه قبل أن تتشكّل بعضها. ولذلك نحتاج إلى أن نعلّمهم كيف يتعلّمون عندما تتغيّر المعرفة وكيف يبحثون عندما تتغيّر الأدوات وكيف يفكّرون عندما تصبح الإجابات في كل مكان.
وبذلك يمكن أن يكون التعليم العُماني أمام فرصة حقيقية للانتقال من تعليم الطالب كيف يجد الإجابة إلى تعليمه كيف يختبرها. ومن الحفظ إلى الفهم والاستخدام. ومن إعداد الباحث عن وظيفة إلى إعداد الإنسان القادر على صناعة الفرصة.
عندها يصبح الذكاء الاصطناعي في مدارسنا جزءًا من مشروع أكبر.. مشروع بناء الإنسان العُماني الذي يستخدم العلم والتقنية دون أن يفقد قيمه أو استقلال عقله. وعندما تفتح المدرسة أبوابها فإن الذين يدخلونها ليسوا الطلبة وحدهم؛ بل يدخل معها مستقبل عُمان.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من يعلّم من؟ بل: أي إنسان نريد أن نصنع عندما أصبحت الآلة قادرة على أن تعلّمنا الكثير؟
