د. جمالات عبدالرحيم
تاريخ الأمم يقول إن الدول العظيمة لا تسقط بغزو مفاجئ. أول طلقة تُطلق على الدولة تأتي من الداخل. ومن الداخل تبدأ الشروخ الصغيرة، ثم يأتي الخارج ليوسعها حتى ينهار البنيان كله.
فمن هم الذين يهدمون الدولة؟
أولاً: من الداخل - سرطان يأكل الجسد
1. الجهل المستقطب
هو أخطر سلاح. يأتي رأسمالي أو صاحب نفوذ. لا يريد أن يوسخ يديه، فيبحث عن شخص جاهل، عاطل، مديون.
يشحنه: «حقك ضايع»، «خده بدراعك».
النتيجة: بلطجة، خناقة، تشهير، محاكم، وخراب بيوت. الرأسمالي يكسب من بعيد، والجاهل هو من يدخل السجن.
2. العصابات التي ترى نفسها فوق القانون
حين تحدث مشكلة في قرية أو مدينة، يخاف الناس من التبليغ؛ لأن وراء الخارجين على القانون عائلة تملك المال والمحامين والعدد.
فتعلنها: «إحنا القانون».
هنا الطبقة المتعلمة الكادحة تفقد الثقة وتقول: «الدولة مش هتجيب لي حقي».
3. مستودعات الكذب والنفاق: شبكة حماية الباطل
وهنا الأخطر. الشخص الذي يمشي في التزوير والباطل لا يمشي وحده. هو «مستودع للكذب والنفاق والتفاهة»، لكنه مدعوم من 4 جهات بطريقة البلطجة:
محامون فاسدون: يقلبون الحق باطلاً بالشهود الزور والأوراق المضروبة.
المجلس العرفي: يضغط على صاحب الحق: «اتنازل»، ويغطي على المجرم بكلمة «صلح».
بعض أفراد الشرطة: يؤخرون المحضر ويضيعون الدليل.
تسريب من النيابات والمحاكم: فتخرج أخبار القضية قبل الجلسة، ويُعد سيناريو مضاد.
وهؤلاء هم أكبر خطر على المجتمع والدولة؛ لأنهم يضربون العدل في مقتل.
4. كيف نكشفهم؟ «لحظة المواجهة»
الحل في كلمة واحدة: المواجهة.
تأتي لصاحب الجلسة العرفية وتقول له: «تعال يا فلان.. قل ما طلعت به من اعترافات المتهم أمام النيابة، بحضور الطرف الذي يريد حقه».
هنا ينكشف أمران: إما أن يفضح صاحب المجلس نفسه، وإما أن تظهر الحقيقة ويسقط سيناريو الكذب كله. لذلك هم يخافون من الورق الرسمي ومن المواجهة.
5. تجار المجالس العرفية ونظام التشتيت الفكري
يأتي صاحب الحق يريد القانون، فيقولون: «جلسة عرفية». الهدف ليس الصلح، بل إضاعة الحق.
وفوقهم «سماسرة المشاكل» يتجسسون وينقلون الأقوال ناقصة. نظام كامل لتشتيت الفكر وتحويل القضية إلى ثأر 20 سنة.
6. شبكات الفساد والنخب المستقطبة
موظفون يسرقون المال العام. سياسيون يبيعون القرار. يفرغون الدولة من الداخل حتى تصبح جثة هامدة.
ثانياً: من الخارج - من يصب الزيت على النار
1. الدول الكبرى وأجهزة الاستخبارات: عقوبات وتجميد مساعدات ودعم معارضة لإسقاط أي نظام يقول «لا».
2. صناديق النقد والشركات العابرة: قروض بشروط قاسية. الرفض = أزمة، والقبول = فوضى.
3. الإعلام المضلل: يمول الفتنة والشائعات لكسر الثقة بين الشعب ومؤسساته.
كيف تكتمل دائرة الهدم؟
الخارج يضغط → الداخل يرد بالفساد والجهل → شبكة الباطل تقوى → الشعب يفقد الثقة → تنهار الدولة
الخاتمة والحل
الدولة لا يحميها السلاح وحده. تحميها 4 دعائم:
1. التعليم والعمل: لقطع يد المستقطِب.
2. سيادة القانون: يُطبَّق على الكبير قبل الصغير، وكسر أسطورة «أنا فوق القانون».
3. احترام مؤسسات الدولة: المجلس العرفي بعد حكم القضاء للصلح، وليس بديلاً عنه. والمواجهة بالورق الرسمي لكشف «مستودعات الكذب».
4. محاسبة فورية: أي محامٍ أو موظف أو ضابط يثبت عليه تزوير يُحاسَب؛ ليتم كسر «شبكة حماية الباطل».
في النهاية، الدولة القوية هي التي يقول فيها صاحب الحق: «سأذهب إلى القانون».. فيذهب وهو مطمئن أنه لن يُجبَر، ولن يُشتَّت، ولن يضيع حقه.
