سُلطان بن خلفان اليحيائي
لعقود طويلة ترسّخ في الوعي الخليجي اعتقاد بأنَّ القواعد العسكرية الأجنبية على أرض دول الخليج تمثل مظلة أمنية تحمي مستضيفيها وتردع من يفكر في الاقتراب منها. وعلى هذا الاعتقاد بُنيت ترتيبات أمنية وأنفقت مليارات الدولارات على التسليح والاستضافة والاتفاقيات الدفاعية حتى بدا البيت الخليجي محاطًا بها لكن المظلة لا تُختبر وقت السِلم وإنما عند ساعة الصفر حيث تنكشف الحدود.
الحرب لا تختبر حجم القواعد ولا عدد الأسلحة وحدهما وإنما تختبر قدرة الدولة على حماية نفسها وقرارها ولا شك أنَّ القواعد الأجنبية قد توفر قدرًا من الردع والدعم العسكري واللوجستي لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن بناء القدرة الذاتية.
والقواعد الأجنبية ليست منشآت عسكرية خلف الأسوار فحسب. إنها جزء من منظومة لها حساباتها وقراراتها وفي السلم قد تبدو عنوانًا للردع أما في الحرب فقد تصبح هدفًا أو منصة لعمليات لا نملك قرارها وعندها قد يجد المستضيف نفسه داخل دائرة الخطر بدلًا من أن يكون خارجها؛ فامتلاك الأرض لا يعني امتلاك القرار. واستضافة القوة لا تعني امتلاكها. والدولة الخليجية التي تربط أمنها بإرادة طرف خارجي مطالبة بأن تسأل: هل نحن شركاء في صناعة القرار أم مستضيفون لقرار يُصنع خلف البحار؟!
ليس المطلوب رفض التعاون العسكري أو إدارة الظهر للتحالفات فالدول تتعاون وتتبادل الخبرات وتبني الشراكات لكن الفرق كبير بين التعاون والاعتماد. فالتعاون يضيف إلى قوة الدولة أما الاعتماد المفرط فيجعل أمنها مرتبطًا بإرادة طرف آخر وحساباته.
فلماذا تحتاج دول تملك الثروة والموقع والجغرافيا والعقول إلى أن تستعير أمنها؟ فالمشكلة ليست في قلة ما تملك هذه الدول من مقومات القوة؛ بل في قدرتها على تحويل ما تملكه إلى قوة تحمي إرادتها وتصون سيادتها.
فإلى متى تظل دول الخليج تستعير أمنها من الخارج وتراهن على حماية طرف خارجي بينما تملك في داخلها من مقومات القوة ما يؤهلها لبناء أمنها بقرارها وإرادتها؟
ومن هذا المنظور لا يمكن فصل أمن الخليج عن المشهد العربي الأوسع. فقد كشفت أحداث غزة حجم الفجوة بين ما تملكه الأمة من إمكانات وما تفعله على أرض الواقع.
ففي الوقت الذي تتطلع فيه الشعوب إلى موقف عربي وإسلامي أكثر فاعلية تجاه ما يتعرض له أهلنا في غزة من قتل ودمار نجد مواقف وسياسات تتباين بين الصمت والبيانات وبين استمرار بعض أشكال التعامل مع العدو. وهنا لا يعود الأمر موقفًا سياسيًا فحسب؛ بل يصبح اختبارًا لمعنى القرار المستقل وقدرة الدول على استخدام ما تملكه من أوراق.
وقد جاء القرآن واضحًا في التحذير من موالاة من يعادي الله ورسوله: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
ولعل السؤال المرير ليس: لماذا لا يفعل الشركاء ما نريد؟ بل: لماذا لا نفعل نحن أصحاب القرار ما نستطيع؟
لماذا لا تتحول ثروات دول الخليج إلى معرفة؟ ولماذا لا تتحول المعرفة إلى صناعة وقدرة وقرار؟
فالقوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها وهذا من طبيعة العلاقات الدولية. ولا ينبغي أن نبني أمننا على افتراض أن الآخرين سيتصرفون وفق مصالحنا. ولهذا فإن الأمن الحقيقي لا يبدأ من قاعدة أجنبية ولا من صفقة سلاح ولا من أسطول يأتي من خلف المحيطات. الأمن يبدأ من حماية القرار ويبنى بالعلم والصناعة والاقتصاد وأمن الغذاء والتقنية والقدرات العسكرية والبشرية.
إن الأمن الذي يُستأجر من الخارج لا يصنع دولة قوية بقدر ما يصنع اعتمادًا طويل الأمد. والمظلة التي تُسوَّق على أنها ردع وحماية قد تبدو صلبة في زمن السِلم لكنها عند الاختبار تكشف مقدار ما فيها من هشاشة. وعندما تصبح حماية البيت مرهونة بمن يقف خارجه فإن ذلك البيت لا يملك من أمره إلا بقدر ما يسمح الآخرون. ولهذا فإن الاتكال الكامل على قوة خارجية في حماية البيت يظل هشًا مهما بدا متينًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
إن أمن الخليج لا ينبغي أن ينفصل عن الأمن العربي ويجب أن تتحول الثروة الخليجية إلى قوة عربية مشتركة وأن تتكامل الصناعات الدفاعية والقدرات التقنية والبحث العلمي وأن يصبح التعاون الأمني العربي صناعة لا مجرد بيانات.
ودول الخليج مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تعرّف العالم أجمع حدود الصداقة والتحالف والمصالح ولا ينبغي التغاضي عما تشاهده شعوب هذه الدول من استهداف لأهلنا في غزة وهذه لحظة مراجعة تاريخية نسأل فيها أنفسنا: لماذا نملك الكثير ونفعل القليل؟ لماذا نملك أسباب القوة ولا نوحّدها؟ ولماذا نبحث عن الحماية خارج البيت بينما يبدأ الوهَن من داخله؟
التغيير لا يبدأ من عاصمة أجنبية ولا ينتظر إذنًا من قوة كبرى؛ بل يبدأ من داخل البيت باستعادة الثقة وبناء القوة وتوحيد الصف والعودة إلى الله مع الأخذ بأسباب القوة.
القواعد الأجنبية قد تكون عنصرًا للردع في السلم لكنها لا تختصر مفهوم الأمن ولا تضمن وحدها حماية الدولة وساعة الخطر تكشف حدود المظلة والبيت الذي يعلّق أمنه على قوة الآخرين يكتشف أن المظلة لم تُبنَ على أساس متين.
إن أمننا لا يُستعار ولا يُشترى إنه يُبنى في الداخل علمًا وقدرةً وصناعةً ووحدةً وإرادة ورأس الحكمة أن ندرك أن قوة البيت لا تُقاس بمن يقف خارجه لحمايته؛ بل بما يملك أهله من قدرة على حمايته.
فيا دول الخليج العربي.. هل نواصل استعارة الأمن أم نبني قدرتنا على حمايته؟ أما آن لنا أن نبني بيتنا بأيدينا؟
