اقتصاد الموقع

 

 

 

محمد بن درويش البلوشي

 

ظلت الجُغرافيا على مرِّ السنوات أحد أهم العوامل التي ترسم المسارات الاقتصادية للدول والحضارات، وتحدد جانبًا من علاقتها بالعالم. أما اليوم، فقد أعاد الاقتصاد الحديث صياغة هذه العلاقة؛ فالموقع، مهما بلغت أهميته، لا يصنع القيمة بذاته، وإنما تتعزز قيمته حين تقترن مزاياه الجغرافية بكفاءة لوجستية، وحركة اقتصادية نشطة، وقاعدة إنتاجية قادرة على الإفادة منها. فكم من دولة تقع على طريق تجاري مهم، ولا يكون نصيبها من حركة التجارة سوى عبور السفن بمحاذاتها، في حين استطاعت مدن أخرى أن تحول مواقعها إلى منظومات اقتصادية متكاملة تجاوز أثرها حدود الجغرافيا. لذلك لم يعد السؤال الأهم: أين تقع الدولة؟ بل كيف تحول مزايا موقعها الجغرافي إلى قيمة مضافة داخل اقتصادها؟

ويكتسب هذا السؤال أهمية متزايدة مع إعادة تشكل الاقتصاد العالمي؛ فالاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد، والتوترات الجيوسياسية، وتغير مسارات الطاقة والتجارة، دفعت الشركات والدول إلى إعادة تقييم مفهوم الكفاءة. ولم تعد الكلفة الأقل هي المعيار الوحيد، فقد دخلت إلى المعادلة اعتبارات الموثوقية وسرعة الوصول وتعدد المسارات وأمن الإمداد. وفي عالم كهذا تستعيد الجغرافيا وزنها الاقتصادي، ولكن ليس بوصفها خريطة تحدد المكان، بل ركيزة تتشكل حولها حركة التجارة والإنتاج والاستثمار، وتُصنع من خلالها القيمة.

وفي هذا السياق، تُقدِّم سلطنة عُمان نموذجًا جديرًا بالاهتمام؛ فالحديث عن موقعها الاستراتيجي ليس جديدًا؛ فقد كان البحر جزءًا أصيلًا من تكوينها الاقتصادي والحضاري، وكانت موانئها عبر قرون جسورًا للتواصل مع الهند وشرق أفريقيا وما وراءهما. واليوم تتلاقى هذه الجغرافيا مع بنية أساسية حديثة، وموانئ ومناطق اقتصادية واستثمارات نوعية، ورؤية وطنية تستهدف اقتصادًا أكثر تنوعًا واندماجًا في سلاسل الإنتاج والخدمات العالمية. فالقيمة الاقتصادية للموقع لا تُقاس فقط بحجم ما يمر بالقرب منه، بل بمدى قدرة الاقتصاد على توظيفه لجذب الاستثمار، وتوطين الأنشطة الإنتاجية والخدمية، وتوليد القيمة المضافة، وتنشيط حركة إعادة التصدير. وهذا هو جوهر «اقتصاد الموقع».

فالميناء، مهما بلغت كفاءته، هو نقطة البداية لمنظومة أوسع؛ تنشأ حوله المصانع ومراكز التوزيع والمستودعات وسلاسل التبريد وخدمات الصيانة والنقل والتأمين والتمويل والتقنية، وتدخل الشركات المحلية في سلاسل التوريد. عندها لا تعبر التجارة المكان فحسب، بل تترك فيه وظائف واستثمارات وعقودًا ومعرفة وقيمة مضافة. وهنا يظهر الفارق بين «اقتصاد العبور» و«اقتصاد التمركز»؛ فالأول يقرأ أهمية الموقع من حجم الحركة المارة عبره، بينما يضيف الثاني سؤال الأثر: كم نشاطًا اقتصاديًا نشأ حول هذه الحركة؟ وكم شركة اتخذت من المكان قاعدة لأعمالها؟ وكم مؤسسة محلية أصبحت جزءًا من سلسلة الإمداد؟

ومن هذا المنظور يمكن قراءة التطور المتواصل في صحار وصلالة والدقم بوصفه جزءًا من بناء منظومة تتجاوز الوظيفة التقليدية للموانئ. ففي صحار يتكامل الميناء مع المنطقة الحرة والأنشطة الصناعية، وفي صلالة يمنح الموقع على مسارات الشحن بين الشرق والغرب الميناء والمنطقة الحرة قدرة على خدمة نطاق واسع من الأسواق، فيما تجمع الدقم بين الميناء والصناعة والطاقة والتخزين والحوض الجاف والمشروعات الخضراء. وتتعاظم قيمة هذه الأصول كلما ازدادت الروابط بينها؛ فالتنافسية لا ترتبط بحجم الميناء أو اتساع المنطقة الاقتصادية فحسب، بل بكفاءة المنظومة التي تختصر على المستثمر الزمن والكلفة والمخاطر.

ولهذا يصبح الزمن نفسه أصلًا اقتصاديًا؛ فساعة تُختصر في التخليص، ويوم يُختصر في النقل، وإجراء يُنجز رقميًا، وربط أسرع بين المصنع والميناء، قد تبدو تفاصيل تشغيلية، لكنّها حين تتكرر عبر آلاف الشحنات تتحول إلى فارق في الكلفة والتنافسية وقرار الاستثمار. فليس الموقع الأقرب جغرافيًا هو الأفضل بالضرورة، بل قد يكون الأكثر قيمة هو الذي يجعل الوصول أسرع، والإجراء أسهل، والإمداد أكثر موثوقية.

ومن هنا تتسع الفرص أمام القطاع الخاص العُماني؛ من الشحن والتخليص وسلاسل التبريد والصيانة والتقنيات اللوجستية، إلى الخدمات القانونية والمالية والتأمينية وتحليل البيانات وتوريد احتياجات السفن والمصانع. وتتضاعف القيمة حين تتحول الاستثمارات الكبرى إلى طلب على منتجات وخدمات محلية، وفرص أمام الموردين، ومعرفة تنتقل إلى الكفاءات الوطنية، وشركات عُمانية تنمو ضمن سلاسل القيمة. فالميناء العالمي تتعاظم قيمته كلما نمت حوله المؤسسات الوطنية، والاستثمار الأجنبي يصبح أكثر رسوخًا حين تتجاوز آثاره تدفق رأس المال إلى تراكم المعرفة والقدرة الإنتاجية.

ومع انتقال هذه المنظومة إلى مراحل أكثر نضجًا، تصبح الفكرة التي تقود تطورها نقطة البداية، ومنها تتشكل الأدوات وتتولد النتائج. فحين يتجاوز النظر إلى الميناء كونه نقطة لعبور السفن والبضائع إلى كونه محركًا للإنتاج والاستثمار وتوليد القيمة، لا يعود نجاحه مقاسًا بمؤشرات الحركة والحجم وحدها، بل بعمق القيمة المتولدة محليًا؛ فالحاوية التي تمر مؤشر على كفاءة الميناء، أما ما ينشأ حولها من أعمال ومعرفة وفرص، فهو المؤشر الأعمق على أثره في الاقتصاد. وهذا يتسق مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» في بناء اقتصاد متنوع ومستدام، وقطاع خاص تنافسي، والاستفادة من الموقع الجغرافي للاندماج بصورة أعمق في سلاسل الإنتاج والخدمات العالمية.

غير أن اقتصاد الموقع في صورته المقبلة لن يكون بحريًا فقط؛ فالجغرافيا التي تحمل اليوم حاوية يمكن أن تحمل غدًا طاقة وبيانات وغذاء وخدمات رقمية ورأس مال ومعرفة. ومع صعود الهيدروجين الأخضر والصناعات منخفضة الكربون والاقتصاد الرقمي، تتسع أمام سلطنة عُمان وظائف اقتصادية جديدة تربط بين الطاقة والصناعة والتجارة والتقنية. ومن هنا يمكن الانتقال من مفهوم «الموقع الاستراتيجي» إلى مفهوم أكثر عمقًا هو «الكفاءة الاقتصادية للموقع»؛ أي مقدار القيمة والأنشطة والعلاقات التي تستطيع مساحة جغرافية واحدة جمعها وربطها ببعضها.

لقد حبا الله عُمان بنعم كثيرة، وأكرمها بموقع جغرافي فريد كان عبر تاريخها جسرًا للتواصل والتجارة والانفتاح على العالم. وإذا كان الموقع هبة لا تصنعها الدول، فإن تعظيم قيمته الاقتصادية تصنعه الرؤية، وتراكم الإنجاز، وكفاءة المؤسسات والخدمات، والاستثمار، وقدرة القطاع الخاص على اقتناص الفرص والبناء عليها. فالموقع نعمة وهبة من الله، أما اقتصاد الموقع فهو قيمة تبنيها الدول وتصنع بها مستقبلها.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z