أحمد بن محمد العامري
تخيَّل دولةً تدير اقتصادها كما يدير مدير مقصف مدرسي عمله: يشتري السلع، يبيعها، يحصّل الإيرادات، يغطي المصروفات، ثم يبحث في نهاية اليوم عن فائض. قد يبدو النموذج ناجحًا ما دامت الحسابات متوازنة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه العقلية إلى فلسفة لإدارة اقتصاد دولة؛ فتنتقل الأولوية من صناعة الثروة إلى تحصيلها، ومن رفع الإنتاجية إلى زيادة الإيرادات.
المقصف يركز بطبيعته على دوران النقد، أما الدولة فوظيفتها أوسع بكثير: بناء الإنسان، وتكوين رأس المال البشري، وتطوير المعرفة، وتحفيز الاستثمار، وتوفير البنية الأساسية، وخلق البيئة التي تمكن القطاع الخاص من النمو والإنتاج والمنافسة والتصدير. لذلك فإن السؤال الاقتصادي للدولة لا ينبغي أن يكون فقط: "كم حصلنا؟"، بل: ماذا بنينا، وماذا أنتجنا، وما الذي سيولد قيمة بعد عشر سنوات؟
لا يعني ذلك أن الجباية سيئة في ذاتها؛ فالضرائب والرسوم أدوات ضرورية لتمويل التعليم والصحة والبنية الأساسية والخدمات العامة. لكن الفارق يكمن في ما إذا كانت الجباية وسيلة لتمويل بناء القدرة الاقتصادية، أم أصبحت بديلًا عن معالجة ضعف الإنتاجية والنمو.
الرسوم والضرائب، إذا صُمِّمَت بطريقة ترفع تكلفة الإنتاج أو الاستثمار وتضعف الحوافز، قد تحقق إيرادًا فوريًا للخزينة، لكنها قد تفرض في المقابل تكلفة أكبر على الاقتصاد والمجتمع في المستقبل.
وهنا يظهر الفرق بين اقتصاد الإيراد واقتصاد القيمة. اقتصاد الإيراد ينشغل بما يدخل إلى الخزينة اليوم، بينما اقتصاد القيمة ينشغل بتوسيع القدرة على إنتاج الدخل غدًا. الأول يسأل: كم جمعنا؟ أما الثاني فيسأل: كم ارتفعت إنتاجية العامل؟ كم شركة أصبحت قادرة على التصدير؟ كم وظيفة ذات قيمة مضافة نشأت؟ كم استثمرنا في التعليم والمهارات؟ وكم تحول من موارد الدولة إلى أصول بشرية وإنتاجية قادرة على توليد الثروة؟
ومن منظور اقتصاد الرفاه، لا تكفي زيادة الإيرادات أو الناتج المحلي للحكم على نجاح الدولة؛ فالرفاه لا يعني فقط مقدار ما تنفقه الحكومة، وإنما ما يستطيع المواطن أن يحصل عليه من دخل حقيقي، وتعليم جيد، ورعاية صحية، وسكن مناسب، وفرص عمل، وأمن اقتصادي، وبيئة جيدة، وقدرة على مواجهة الأزمات، وحياة تحفظ له كرامته ووقته ومستقبله.
وهنا يلتقي الاقتصاد بعلم الاجتماع؛ فالمواطن ليس مجرد مستهلك أو دافع للضريبة، بل شريك في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية. والثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة تمثل رأس مال اجتماعيًا له أثر مباشر في قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات وتحقيق الاستقرار والتماسك. وعندما يشعر المواطن أن علاقته بالدولة تقوم أساسًا على التحصيل، بينما لا يرى تحسنًا موازيًا في الفرص والخدمات ومستوى المعيشة، فإن المسألة تتجاوز العبء المالي لتلامس الثقة في العقد الاجتماعي.
الدولة التي تدير اقتصادها بعقلية المقصف قد تتعامل مع كل ضغط مالي بالبحث عن مورد جديد: رسم إضافي، بدل جديد، غرامة، أو زيادة في تكلفة خدمة. وقد تحقق بذلك إيرادًا فوريًا، لكنها إذا لم ترفع في المقابل إنتاجية الاقتصاد ودخل المواطن، فإنها تخاطر بالدخول في دائرة مغلقة: جباية، إنفاق، ضغط مالي، ثم جباية جديدة.
أما الدولة التي تفكر بعقلية المستقبل فتقلب المعادلة: تستثمر في الإنسان لكي ترتفع إنتاجيته، وفي التعليم لكي تتوسع مهاراته، وفي البنية الأساسية لكي تنخفض تكلفة النشاط الاقتصادي، وفي القطاع الخاص لكي تنمو الشركات، وفي الابتكار لكي ترتفع القيمة المضافة، وفي الأسواق الخارجية لكي يصبح الاقتصاد قادرًا على كسب الدخل من العالم، لا من جيب المواطن وحده.
الرفاهية المجتمعية لا تُدار بعقلية المقصف المدرسي. لا يكفي أن نبيع أكثر، أو نحصل رسومًا أكثر، أو نغلق الحسابات المالية في نهاية السنة. الرفاه الحقيقي هو أن يصبح المواطن أكثر قدرة على الكسب، وأكثر أمنًا في مواجهة المستقبل، وأن تصبح الدولة أكثر قدرة على تمويل خدماتها من اقتصاد منتج ومتنامٍ.
المقصف يريد أن ينهي يومه وصندوقه مُمتلئًا. أما الدولة الناجحة فعليها أن تنهي كل عام وقد ازدادت إنتاجية مواطنيها، وقدرة شركاتها، وجودة مؤسساتها، وثقة مجتمعها، وقوة اقتصادها.
وهنا يكمن الفارق بين دولة تسأل: "كم نستطيع أن نجبي؟" ودولة تسأل السؤال الأكثر أهمية: "كيف نجعل المجتمع أكثر قدرة على إنتاج الثروة والرفاه؟"
الدولة لا ينبغي أن تكون مقصفًا كبيرًا يبحث كل يوم عن زبون يدفع أكثر؛ بل منظومة تصنع القيمة، وتوسع الفرص، وتبني الإنسان، ثم تجعل الإيرادات نتيجة لقوة الاقتصاد لا بديلًا عنها.
