إدريس بن علي السعيدي
لم تعد قوة الاقتصاد في العصر الحديث تُقاس بما تمتلكه الدول من موارد طبيعية ورأس مال فقط، بل أصبحت المعرفة والعلم والمهارات والقدرة على الابتكار من أهم مقومات النمو. فالعالم يتجه نحو اقتصاد يقوم على الإنسان وقدرته على إنتاج الأفكار وتطويرها وتحويلها إلى حلول ومنتجات وخدمات توجد قيمة حقيقية للمجتمع.
ومن هنا يأتي مفهوم اقتصاد المعرفة، الذي يقوم على توظيف العلم والمهارات والبحث العلمي والابتكار والتقنية في النشاط الاقتصادي؛ فالمعرفة لا تكتسب قيمتها الكاملة بمجرد امتلاكها، وإنما عندما تتحول إلى تطبيق عملي يسهم في رفع الإنتاجية، وايجاد فرص العمل، وتطوير القطاعات الاقتصادية.
وفي سلطنة عُمان، يتوافق هذا التوجه مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، التي تضع بناء اقتصاد متنوع ومستدام، وتطوير التعليم والبحث والابتكار، وتمكين الإنسان، ضمن أولوياتها. فالاستثمار في الإنسان يمثل الأساس الذي يمكن من خلاله بناء اقتصاد قادر على التعامل مع المتغيرات وصناعة الفرص.
ويبدأ ذلك من التعليم، الذي لم يعد دوره يقتصر على نقل المعرفة، وإنما أصبح مطالبًا ببناء مهارات التفكير والتحليل وحل المشكلات واستخدام التقنيات الحديثة. كما أن تغير طبيعة الوظائف يفرض تطوير مهارات تتناسب مع احتياجات الاقتصاد وسوق العمل، بحيث يكون التعليم مرتبطًا بصورة أكبر بواقع القطاعات المختلفة ومتطلباتها.
ومن هنا تبرز أهمية تنوع مسارات التعليم، فالتنمية لا تحتاج إلى المسار الأكاديمي وحده، وإنما تحتاج أيضًا إلى التعليم المهني والتقني الذي يبني المهارات العملية ويؤهل الكوادر للعمل في القطاعات الإنتاجية؛ فالصناعة والطاقة والإنشاءات واللوجستيات والصيانة والتقنيات الحديثة تحتاج إلى فنيين وتقنيين يمتلكون مهارات متخصصة، إلى جانب المهندسين والباحثين وغيرهم من أصحاب التخصصات الأكاديمية.
ويعزز التعليم المهني هذا التكامل من خلال ربط التعلم بالتطبيق، وإكساب الطالب مهارة يمكن أن تتحول إلى إنتاج، وقيمة اقتصادية. ولذلك، فإن تطوير هذا المسار ورفع جاذبيته وربطه باحتياجات سوق العمل يمكن أن يسهم في زيادة الإنتاجية، وتوفير الكفاءات الوطنية، وفتح مجالات أوسع أمام الشباب.
لكنَّ بناء المعرفة والمهارات لا يكتمل دون البحث العلمي، فهو أحد أهم الوسائل التي يمكن من خلالها إنتاج معرفة جديدة ومعالجة التحديات التي تواجه المجتمع والاقتصاد. وهنا تظهر الحاجة إلى تعزيز العلاقة بين الجامعات والمؤسسات البحثية والقطاع الخاص، حتى تنتقل نتائج الدراسات والأبحاث من المختبرات إلى التطبيق.
قد يبدأ البحث العلمي بدراسة مشكلة معينة، ثم يقود إلى فكرة أو تقنية جديدة، وبعد تطويرها يمكن أن تتحول إلى منتج أو خدمة أو مشروع. وفي هذه المرحلة تتحول المعرفة من قيمة علمية إلى قيمة اقتصادية، ويصبح البحث جزءًا من عملية التنمية وليس نشاطًا منفصلًا عنها.
ويرتبط بذلك الابتكار، الذي يمثل حلقة الوصل بين المعرفة والتطبيق. فالفكرة المبتكرة يمكن أن تفتح المجال لإنشاء مشروع جديد أو تطوير منتج قائم أو تحسين أساليب الإنتاج. ولذلك فإن دعم الباحثين والمبتكرين، وتشجيع الشركات الناشئة، وتوفير البيئة المناسبة للتمويل والاحتضان والتطوير، كلها عوامل تساعد على تحويل الأفكار إلى نشاط اقتصادي.
كما أن التطور المتسارع في التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي يفتحان مجالات واسعة أمام اقتصاد المعرفة. وهذه التقنيات أصبحت تدخل في الصناعة والطاقة والخدمات والتعليم والنقل وغيرها، وتساعد على رفع الكفاءة وتحسين الإنتاجية. إلّا أن الاستفادة الحقيقية منها لا تقتصر على استخدامها، بل تتطلب بناء كوادر وطنية قادرة على فهمها وتطويرها وتوطينها والاستفادة منها في تلبية احتياجات الاقتصاد المحلي.
وتسهم المعرفة كذلك في تنويع الاقتصاد العُماني، من خلال تطوير القطاعات القائمة ورفع قيمتها المضافة، إلى جانب إيجاد مجالات جديدة قائمة على التقنية والابتكار؛ فالمعرفة يمكن أن تطور الصناعة، وتحسن كفاءة الطاقة، وتدعم الخدمات اللوجستية، وتفتح فرصًا جديدة في الاقتصاد الرقمي، وتعزز استخدام التقنيات الحديثة في مختلف الأنشطة الاقتصادية.
وفي هذا المسار يأتي الشباب بوصفهم عنصرًا أساسيًا؛ فالشاب المتعلم والماهر لا يقتصر دوره على البحث عن وظيفة، وإنما يمكن أن يكون منتجًا للمعرفة، أو مبتكرًا، أو صاحب مشروع، أو متخصصًا يرفع كفاءة المؤسسة التي يعمل فيها. ولذلك فإن تمكين الشباب يبدأ من بناء قدراتهم وإتاحة المسارات التعليمية والمهنية التي تساعدهم على المشاركة الفاعلة في الاقتصاد.
أما استدامة التنمية، فتتطلب بناء مصادر مستمرة لإنتاج القيمة. والمعرفة تختلف عن كثير من الموارد؛ فهي قابلة للتطوير والتراكم، ويمكن أن تقود إلى معرفة جديدة وابتكارات جديدة. وكلما ارتفعت قدرة المجتمع على التعلم والبحث والتطوير، ازدادت قدرته على مواجهة المتغيرات الاقتصادية وصناعة فرص جديدة.
وفي النهاية.. فإن اقتصاد المعرفة لا يعني التخلي عن الموارد والقطاعات الاقتصادية القائمة، وإنما يعني استخدام العلم والمعرفة لتطويرها ورفع قيمتها، وبناء قطاعات جديدة أكثر قدرة على المنافسة. فالمسألة ليست في مقدار ما نملكه من المعرفة، وإنما في قدرتنا على تحويلها إلى مهارة، والمهارة إلى ابتكار، والابتكار إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة اقتصادية.
