اقتصاد النخلة

 

 

 

 

◄ كان لكل منَّا دوره من تحدير النخل وحمل الزور اليابس إلى المحرقة إلى رقاط الخلال صباحًا ومساءً

 

فايزة بنت سويلم الكلبانية

faizaalkalbani1@gmail.com

 

 

قال تعالى:

 

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (ريم: 25).

لم تأتِ النخلة في هذه الآية مصادفة؛ فقد كانت في لحظة ضعفٍ مصدرَ قوتٍ ورزق، وفي عُمان، ظلت النخلة أكثر من شجرة؛ ارتبطت بالأرض والإنسان والميلاد والعمل والرزق، ودخلت في تفاصيل حياتنا وذاكرتنا قبل أن ندرك أنها أيضًا اقتصاد قائم بذاته.

أتذكرُ صيف المزرعة حين كان موسم النخيل يجمعنا، وحين كان أبي وعمي يعملان فيها بشغفٍ ودأبٍ كبيرين؛ إلى جانب مشاركات من أمي وإخوتي وأخواتي وأبناء عمي وزوجته رحمها الله والعائلة، حيث كان عمي راشد يجمعنا في موسم الصيف، ولكل منَّا دوره؛ نساعد في تحدير النخل، ونحمل الزور اليابس إلى المحرقة، ونتناوب صباحًا ومساءً على رقاط الخلال، كلٌّ في مزرعته، وهو يشرف على مراحل "تنبيت" النخيل ويراقب الثمر ويعتني به حتى ينضج.

وكانت أختي الكبرى تحمل النصيب الأكبر من العمل وقتها؛ تقوم بما يسمى "خراف الرطب"، وتصعد النخيل لجني الرطب، بشجاعة ولياقة رغم صعوبة الوضع عليها كامرأة جميلة رقيقة ولكنها كانت مثابرة وصابرة أجادت دورها رغم كل التحديات والظروف، وكنت أرافقها وأشاركها ما أستطيع، إلى جانب إخوتي وأخواتي وبنت عمي، فلكل منَّا دوره في موسمٍ كنا نعيش تفاصيله معًا.

ومع الرياح القوية والمطر، كان الأطفال والأمهات يتسابقون بين المزارع لتجميع الخلال والكشف عن النخيل والاطمئنان على مزارعنا ومزارع أهل قريتنا "النجيد". وإذا سقطت نخلة من شدة الرياح، لم تكن خسارتها تخص صاحبها وحده؛ كانت خبرًا يخص الجميع، ووجعًا نشعر به كما لو أنها سقطت في مزرعتنا.

وكنت أنا أيضًا جزءًا من هذا العمل؛ من الرقاط والجداد، إلى كناز التمر في السطول والمراجل ونقل التمور من المزرعة إلى المنزل في قفير لطالما أوجع رؤوسنا حمله، ليُحفظ للشتاء ورمضان. ثم يأتي التوزيع؛ لكل بيت نصيبه، فمنه ما يُباع، ومنه ما يُهدى ويتصدق به، ويُترك نصيب لمواشي الأهل والأصدقاء من الأبقار والأغنام. وحتى الرطب كان له طريق آخر للمحبة؛ يتبادل بين الجيران والأهل، خصوصًا مع من لا يملك مزرعة، فيصله شيء من حصادها.

وكان أبي يختصر هذا المعنى بطريقته حين يقول كلما جاء موسم الرطب: "أنا وزير الرطب"؛ يشرف على عامل المزرعة ويتواصل معه ويتابع وصول الرطب إلى الأهل والإخوة والأخوات، ولم يكن ينسى نصيبي، فيحمل لي نصيباً لأخذه إلى الدوام كل سبت لأتقاسمه مع زملائي.

لم نكن نعرف يومها أننا نعيش ما نسميه اليوم اقتصادًا محليًا وسلسلة قيمة؛ كنا نعرف فقط أن النخلة تحتاج إلى يدٍ تخدمها، وأن ثمرتها تتحول إلى رزق، وأن خيرها لا يتوقف عند صاحب المزرعة، بل يمتد إلى البيت والجيران والمواشي والمجتمع.

كانت النخلة اقتصادًا نعيشه قبل أن نعرف اسمه. لكن ذلك الاقتصاد الصغير الذي عشنا تفاصيله بدأ يتراجع حين امتدت سوسة النخيل إلى مزارعنا بالبلدة وعدد من المحافظات ايضًا، فأخذ النخيل يتهاوى نخلةً بعد أخرى. ولم تكن الخسارة في شجرةٍ أو محصولٍ فحسب؛ كانت في رزقٍ اعتدناه، وفي جزءٍ من حياةٍ عشناها تحت ظلال تلك النخيل.

وكان لنخيل جدي وجدتي وأبي حكاية أخرى، عشنا معها، وحفظنا تفاصيلها، وانتفعنا بخيراتها، حتى بدت لنا كأنها أفراد من العائلة، ثم أخذت تتساقط أمام أعيننا، نخلةً تلو أخرى، كما غاب أصحابها على مر السنين.

وهكذا تداخل رحيل النخيل مع رحيلهم؛ جدي وجدتي وأبي، أولئك الذين عاشوا في هذه التربة، وحافظوا عليها، وأحبّوها وانتفعوا بخيراتها. كأن الأرض لم تكن تودّع نخيلها وحده، بل كانت تودّع معهم جيلًا كاملًا ترك فيها أثره، وترك لنا من خيرها وذكرياتها ما لا يُنسى.

وتحية لعمي راشد وأمي العظيمة، اللذين ما زالا على هذا النهج، رغم أن الصحة والظروف أبعدتهما اليوم قليلًا عن تفاصيل المزرعة؛ إلا أن صلة النخلة بهما لم تنقطع.

ومن هنا، لا تبدو حماية النخيل قضية زراعية فحسب، بل قضية اقتصادية واجتماعية وذاكرة وطنية. فكل نخلة نخسرها لا تعني فقدان نخلة فقط، وإنما فقدان إنتاجٍ ودخلٍ وفرصةٍ اقتصادية، وربما جزءًا من ذاكرة عائلة ومزرعة وقرية.

والسؤال اليوم ليس فقط: كم تنتج مزارعنا من التمور؟ بل: كم قيمة اقتصادية يمكن أن نصنع من كل ثمرة؟ فالتمر لا ينبغي أن ينتهي عند البيع في صورته الخام؛ بل تبدأ بعده سلسلة أخرى من القيمة: الفرز والتنظيف والتخزين والتصنيع، ثم التغليف والتعليب، وبناء العلامة التجارية، والتسويق، والوصول إلى الأسواق المحلية والعالمية، وهنا يمكن للنخلة أن تنتقل من محصول موسمي إلى صناعة أكثر استدامة وقيمة.

كما أن حماية هذا الأصل تبدأ من حماية النخلة نفسها؛ من رفع الوعي، وتعزيز المراقبة والكشف المبكر عن الآفات، والاستفادة من التقنيات الحديثة، وتطوير أساليب المكافحة، حتى لا تتحول خسارة النخيل إلى خسارة في الإنتاج والدخل وفرص المستقبل؛ فالنخلة التي جمعتنا صغارًا في موسم الجداد، يمكن أن تجمع اليوم جهودنا لبناء اقتصاد تمور أكثر قيمة واستدامة.

وحين نهز جذع النخلة اليوم، لا نريد أن تتساقط علينا ثمار الماضي فقط، بل نريد أن تتساقط منه فرص المستقبل على السواء.

الأكثر قراءة

z