◄ الإدارة في مواجهة عصر الذكاء الاصطناعي
أ.د. وائل زكريا الصاوي الشنهابي
لم يعُد السؤال الذي يفرض نفسه على عالم الأعمال هو: هل سيُؤثر الذكاء الاصطناعي في الوظائف؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف ستتغير الوظائف، ومن يمتلك القدرة على التكيف معها؟
خلال السنوات الأخيرة، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه تقنية متخصصة داخل أقسام تكنولوجيا المعلومات إلى أداة تدخل في التسويق، والموارد البشرية، والتمويل، وخدمة العملاء، وتحليل البيانات، وحتى في عمليات اتخاذ القرار الإداري. ومع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح من المُمكن تنفيذ مجموعة متزايدة من المهام التي كانت تتطلب وقتًا وجهدًا بشريًا كبيرًا.
وهنا تظهر المخاوف التقليدية: هل نحن أمام اقتصاد يتراجع فيه الطلب على الإنسان لصالح الآلة؟ الإجابة ليست بهذه البساطة.
تشير منظمة العمل الدولية في تحديثها لعام 2025 إلى أنَّ نحو 1 من كل 4 عاملين عالميًا يعمل في مهنة لديها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن النتيجة الأكثر احتمالًا ليست اختفاء الوظائف بالكامل، وإنما تحوُّلها وإعادة تشكيل المهام داخلها. وهذا التحول ينقل النقاش من «الوظيفة التي ستختفي» إلى المهام التي ستتغير.
الوظيفة في المؤسسة ليست كتلة واحدة؛ فهي مجموعة من المهام، والقرارات، والعلاقات، والمهارات. وقد يستطيع الذكاء الاصطناعي إعداد تقرير، وتحليل بيانات، وصياغة رسالة تسويقية، وتلخيص اجتماع، أو تقديم توقعات أولية للمبيعات. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الوظيفة التي كان يؤديها الموظف ستختفي بالكامل. ربما تتغير الوظيفة نفسها.
الموظف الذي كان يقضي ساعات في جمع البيانات قد يصبح أكثر تركيزًا على تفسيرها. والمسوق الذي كان يستهلك جزءًا كبيرًا من وقته في إعداد المحتوى قد ينتقل إلى تصميم الاستراتيجية وفهم العملاء. والمدير الذي كان يعتمد على التقارير الدورية قد يجد نفسه أمام أنظمة تقدم له المعلومات بصورة أسرع وأكثر تفصيلًا.
وهنا تظهر إحدى أهم القضايا الإدارية في الاقتصاد الجديد: هل تستطيع المؤسسات إعادة تصميم الوظائف بالسرعة التي تتغير بها التكنولوجيا؟
ولسنوات طويلة، ارتبطت الإدارة بمفاهيم مثل التخطيط، والتنظيم، والتوجيه، والرقابة. لكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة الأعمال يضيف تحديا جديدا: إدارة الإنسان والآلة في الوقت نفسه.
لن يكون المدير في المستقبل مسؤولا فقط عن إدارة فريق من الموظفين، وإنما عن تحديد ما الذي ينبغي أن يقوم به الإنسان، وما الذي يمكن أن تقوم به الآلة، وكيف يتكامل الاثنان دون أن تتحول التكنولوجيا إلى مصدر جديد للأخطاء أو القرارات غير المسؤولة. وهذا يعني أنَّ المدير يحتاج إلى مهارات مختلفة؛ ليس فقط المعرفة الإدارية التقليدية، ولكن أيضا القدرة على فهم البيانات، وتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، وإدارة التغيير، وبناء ثقافة تنظيمية تشجع التعلم المستمر؛ فالذكاء الاصطناعي قد ينتج إجابة سريعة، لكنه لا يتحمل المسؤولية الإدارية بدلا من المدير.
وتقدم بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي صورة أكثر تعقيدًا من سيناريو «اقتصاد بلا وظائف»؛ فتقرير مستقبل الوظائف 2025 يتوقع، بناءً على توقعات أصحاب العمل والاتجاهات الاقتصادية والتكنولوجية، أن تؤدي التحولات حتى عام 2030 إلى إنشاء نحو 170 مليون وظيفة عالميًا، مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة، أي تغير صاف قدره نحو 78 مليون وظيفة، وهذه أرقام تقديرية وليست ضمانات لما سيحدث فعليًا.
المغزى الإداري هنا مهم للغاية: المشكلة ليست بالضرورة في عدد الوظائف فقط، وإنما في الفجوة بين الوظائف الجديدة والمهارات المتاحة لدى العاملين. قد توجد وظيفة، ولكن لا يوجد الشخص الذي يمتلك المهارات المناسبة لها. وهنا تصبح إعادة التأهيل والتدريب المستمر جزءًا من استراتيجية المؤسسة، وليست مجرد نشاط من أنشطة الموارد البشرية.
وفي الماضي كان السؤال عند التوظيف: ماذا تعرف؟ أما في اقتصاد الذكاء الاصطناعي فقد يصبح السؤال: كيف تستخدم ما تعرفه مع الأدوات الجديدة؟
المنافسة لن تكون بالضرورة بين الإنسان والآلة، وإنما بين الإنسان الذي يستطيع توظيف الآلة والإنسان الذي لا يستطيع ذلك.
ولهذا تتجه قيمة بعض المهارات إلى الارتفاع، خصوصًا التفكير التحليلي، والإبداع، والتواصل، والتعاون، والقدرة على التعلم والتكيف، إلى جانب المهارات التقنية والرقمية. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى تزايد أهمية مزيج من المهارات التكنولوجية والمهارات الإنسانية في سوق العمل القادم.
لكن.. ماذا يعني ذلك لعُمان؟ في الحالة العُمانية، لا ينبغي النظر إلى هذه التحولات باعتبارها قضية تقنية فقط، بل باعتبارها قضية اقتصادية وإدارية وتنموية.
رؤية "عُمان 2040" تضع ضمن أولوياتها اقتصادًا قائمًا على التكنولوجيا والمعرفة والابتكار، إلى جانب سوق عمل ديناميكي قادر على مواكبة التغيرات الاقتصادية والمعرفية والتكنولوجية، وقوى عاملة ماهرة ومنتجة. كما أن برنامج التحول الرقمي الحكومي وبرامج التنويع الاقتصادي والتشغيل تعكس اتجاها نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا ورفع الإنتاجية. وتوضح تقارير متابعة رؤية عُمان 2040 أن التحول الرقمي دخل أيضًا إلى منظومة التوظيف، ومن ذلك إطلاق منصة «توطين» الرقمية لإدارة مراحل من عملية التوظيف واستخدام أدوات تقنية وذكاء اصطناعي في متابعة مؤشرات التوظيف والمحتوى المحلي.
ومن هنا يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي فرصة لتعزيز الإنتاجية وتنويع الاقتصاد، بشرط ألا يكون التركيز على التكنولوجيا منفصلًا عن الاستثمار في الإنسان.
السؤال الذي سيواجه المدير خلال السنوات المقبلة ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟ بل: أين نستخدمه؟ وكيف نستخدمه؟ ومن نُعيد تأهيله؟ وما الوظائف التي نعيد تصميمها؟
هذه الأسئلة ستفرض نفسها على المؤسسات الحكومية والخاصة، والجامعات، ومؤسسات التعليم، والتدريب؛ فإذا قامت المؤسسة بشراء أدوات الذكاء الاصطناعي دون إعادة التفكير في عملياتها ومهارات موظفيها، فقد تحصل على تكنولوجيا متقدمة دون أن تحقق تحولًا حقيقيًا.
أما المؤسسة التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعًا إداريًا وبشريًا واقتصاديًا؛ فسوف تتعامل معه بطريقة مختلفة: تعيد تصميم العمليات، وتطور مهارات العاملين، وتعيد توزيع المهام، وتخلق وظائف جديدة، وتبني أنظمة رقابة وحوكمة مناسبة.
ربما يكون العنوان الأكثر دقة للمستقبل ليس «اقتصاد بلا وظائف»، وإنما اقتصاد تتغير فيه الوظائف بسرعة أكبر من أي وقت مضى. والفائز الحقيقي في هذا التحول لن يكون بالضرورة المؤسسة التي تمتلك أكبر عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما المؤسسة التي تستطيع تحقيق التوازن بين التكنولوجيا والإنسان والإدارة؛ فالآلة تستطيع أن تحلل ملايين البيانات في ثوان، لكنها لا تلغي الحاجة إلى من يحدد السؤال الصحيح، ويفهم السياق، ويتحمل مسؤولية القرار.
ومن هنا، فإن التحدي الأكبر أمام الإدارة ليس حماية الوظائف القديمة من التكنولوجيا، وإنما إعداد الإنسان لوظائف الاقتصاد الجديد. وهذه ربما تكون المهمة الأكثر أهمية للإدارة في العِقد المقبل.
