د. مجدي العفيفي
(1)
في العصور القديمة، كان الإله يحتاج إلى معبد. في العصور الوسطى، احتاج إلى كنيسة. أما في عصرنا، فقد أصبح المعبد شاشة، والكنيسة قناة فضائية، والكهنة هم المذيعون، أما المؤمنون فهم الجمهور، جالسون أمام الشاشات في صمتٍ مقدس.
"الإله الإعلامي" لا يُعبَد خشيةً؛ بل يُتّبَع انجذابًا. يُصنع من الضوء واللقطة والعبارة المعدّة بعناية.
يظهر في ملامحه ما يشبه الإلهام، وفي صوته نبرة القدر. تعمل الميديا على تصميم صورته لا على نقلها؛ فيُصبح الزعيم مزيجًا من الواقعي والرمزي، من اللحم والضوء، ويتحول إلى كائن “فوق بشري” يُرى أكثر مما يُفعل، ويُؤمن به أكثر مما يُحاسَب.
(2)
إن «الإله الإعلامي» لا يحتاج إلى معجزة، لأن الميديا تصنعها له كل يوم. يكفي أن تُعاد اللقطة عشر مرات حتى تتحول إلى أسطورة، ويكفي أن تُصمَّم الخلفية الموسيقية بذكاء حتى تتحول الخطبة إلى وحي.
في لحظةٍ ما، يُصبح الحاكم نفسه منتجًا إعلاميًا، تُصاغ له اللغة، وتُهندَس الصورة، ويُدار الجمهور كما تُدار حملة تسويقية.
هكذا يتحوّل الإعلام من سلطة رقابية إلى سلطة لاهوتية، تصنع “القداسة” وتُوزّعها بجرعات يومية عبر النشرات والهاشتاجات والأغاني الرسمية.
ولأن الصورة أقوى من الكلمة في عصرنا، فقد انتقل الإيمان من المعبد إلى الشاشة، ومن الكهنوت إلى البراند.
(3)
يُقال إن الشعوب تحتاج إلى الإيمان بشيء، وحين يُصادر منها الدين، والسياسة، والكرامة، فإنها تبحث عن «إله بديل»، والإعلام جاهز ليقدمه لها ملفوفًا بالضوء والموسيقى، وهكذا، يصبح "الإله الإعلامي" هو الشكل المعاصر للوثن القديم: ليس تمثالًا من حجر، بل من بيكسلات رقمية، يُعبد لا في المعابد، بل في غرف المعيشة. والفرق أن الوثن القديم كان صامتًا، أما هذا فـيتحدث كل مساء في نشرة الاخبار.
(4)
كيف يُخلق الطاغية من الضوء؟ كيف تتحول الصورة إلى عبادة؟ وكيف يصبح الإعلام المعاصر من حيث لا يدري صانع آلهةٍ مؤقتة تمشي على الأرض؟
في البدء كانت الصورة.. ثم جاءت الكلمة لتُفسِّرها.. ثم جاء الضوء ليُقدّسها. ومنذ تلك اللحظة لم تعد الحقيقة شيئًا يُكتشف، بل شيئًا يُنتَج في الاستوديو. لم يعد الحاكمُ اليوم يولد من رحم التاريخ، بل من رحم البثّ المباشر.
لا يصعد من الميدان أو من المعركة، بل من خلف كاميرا مصقولة، وعدسة محسوبة الزاوية، وصوتٍ جهوريٍّ يخضع للمونتاج.
(5)
الزعيم الحديث ليس قائدًا.. بل محتوى. والميديا هي أمّه الشرعية، تُرضعه المصداقية باللقطة، وتفطمه على يد المخرج الذي يعرف كيف يُخفي العيوب ويضخّم الإنجازات.
الإله الإعلامي لا يُصنع بالدماء ولا بالبطولات، بل بالـ «مونتاج الوطني»؛ فحين يخرج الزعيم من عربته محاطًا بالعَلَم والموسيقى التصويرية، يولد من جديد: ليس رجلًا من لحمٍ ودم، بل أسطورة رقمية، صورة مقدّسة.
(6)
هنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحوّل الإعلام من ناقلٍ للحدث إلى خالقٍ له، ومن مرآةٍ للواقع إلى مصنعٍ للوهم، ومن أداة مساءلة إلى محراب تمجيد؛ فكل كاميرا تضيء وجه الحاكم، تُطفئ ظلّ الشعب. وكل دقيقة بثٍّ عن إنجازٍ زائف، هي دقيقة تُغرق فيها الحقيقة في الظلام، ولأن الصورة تُخدِّر أكثر مما تُقنع، فقد صار الحاكم اليوم يمتلك الضوء كما كان الإله القديم يمتلك النار. من يملك الضوء يملك السرد، ومن يملك السرد يملك العقول.
(7)
تُبنى المعجزات على أعيننا:
يتفقد الزعيم جرحى الوطن.. أمام الكاميرا.
يتحدث بتواضعٍ مصطنع.. أمام الكاميرا.
يأكل الطعام الشعبي.. أمام الكاميرا.
حتى ابتسامته تُدار بجدولٍ زمني: (ابتسم الآن، فالعدسة مفتوحة).
(8)
أما الكارثة الكبرى، فهي أن الجماهير تُؤمن بهذه المعجزات، لا لأنها تُصدقها، بل لأنها تحتاج لتصديقها. تحتاج أن تشعر أن أحدًا “يمسك بالدفة”، ولو كان وهمًا مصنوعًا في غرفة إخراج.
لقد دخلنا عصر اللاهوت البصري، حيث لا تُمارس الطاعة بالبيعة، بل بالمشاهدة، بالمشاركة، بالإعجاب، وحيث تتحوّل "اللايكات" إلى صكوك ولاء، والمتابعات إلى جماهير تصلي في محراب الشاشة.
(9)
إن "الإله الإعلامي" لا يخاف النقد، بل يخاف الصمت. يموت إذا انطفأ الضوء؛ فهو يعيش من إعادة بث صورته، ويُغذَّى من تكرار اسمه في العناوين. وما دام الناس يشاهدون، فهو موجود. فإذا غاب البث، انكشفت هشاشته، وسقط من عليائه كأي نجمٍ أُطفئت عنه الأضواء.
(10)
"الإله الإعلامي كائن هشّ: يبدو خالدًا وهو مؤقت، يبدو قويًّا وهو يعتمد على نسب المشاهدة أو معدلات المتابعة. يبدو محبوبًا وهو يشتري الحبّ بالإعلانات. ولذلك؛ حين تسقط الصورة، يسقط الإله. وحين تسكت الكاميرا، يتذكّر الناس أنه بشر. وحين يضحك الشعب أخيرًا لا من كثرة البكاء، بل من اكتشاف الخديعة، تبدأ الأسطورة في الاحتراق.
