د. مجدي العفيفي
(1)
غرق «سفينة تيتانيك» الشهيرة.. لم يكن مجرد حادث مأساوي في عرض المحيط؛ كان صفعة مدوّية على وجه البشرية المتغطرسة التي ظنّت أنّها قد روّضت الطبيعة، وركّبتها في عنق الزجاجة.
تلك السفينة العملاقة التي لقّبوها بـ"غير القابلة للغرق" لم تصمد أمام جبل جليدي واحد! واليوم...
وبعد أكثر من قرن، يعيد التاريخ نفسه، لكن هذه المرة على نطاق كوكبي، والعالم كلّه هو السفينة، ونحن جميعًا ركّابها، نغنّي ونرقص على ظهرها بينما تتسرب المياه إلى قلبها.
(2)
في عالمنا العربي، المشهد أكثر عبثية.
لقد تحوّلت المنطقة إلى نسخة بائسة من تيتانيك: قادة في الصالونات الفاخرة يعدّون نخب الأمان الكاذب، وركّاب في الأسفل يختنقون من ضيق الهواء والجوع، بينما الماء يتصاعد ببطء ليغرق الجميع.
مشكلة هذه السفينة أنّها بلا رُبّان عاقل.
لا أحد يجرؤ أن يصرخ: "أيها الناس، هناك جبل جليدي أمامنا!"، لأنّ الصوت الذي يجرؤ على التحذير يُكتم أو يُسحق. وهكذا تتحوّل سفننا العربية إلى مقابر عائمة، لا ينقصها سوى موسيقى النهايات لتكتمل الحكاية.
الغطرسة نفسها التي أغرقت السفينة العملاقة تتكرر اليوم عالميًا.
نحن نعيش زمن "الإيمان الأعمى بالتكنولوجيا"، نتصوّر أنّ الذكاء الاصطناعي، والصواريخ الفضائية، وشبكات الاتصالات فائقة السرعة قادرة على إنقاذنا من كلّ شيء... لكن الحقيقة الصادمة أنّنا نغرق في كوكب يحتضر: جليد يذوب، محيطات ترتفع، وأعاصير تعصف.
غابات تُحرق عن قصد، لتزرع مكانها مصانع وشركات تلتهم الهواء والماء.
سباق محموم نحو مزيد من التدمير، وكأنّ الإنسان لم يتعلّم من صفعة الجبل الجليدي الأولى.
تمامًا كما لم يسمع قادة تيتانيك لتحذيرات المراقبين، نحن اليوم نتجاهل صرخات العلماء. نظن أنّ الكوكب سيبقى قادرًا على التحمل، لكن ساعة الحقيقة تقترب بسرعة مرعبة.
(3)
حادثة «تيتانيك» كانت درسًا في ثلاثة أشياء لم نستوعبها حتى اليوم:
غباء الغرور البشري.. من يظن أنّه أقوى من الطبيعة يخسر دائمًا.
قيمة النظام والشفافية.. السفينة غرقت لأنّ أحدهم قرر أن يتجاهل التحذيرات. كم من حكومات اليوم تفعل الشيء ذاته، فتخفي الحقائق وتزوّر الأرقام؟
أهمية التضامن الإنساني.. بعض ركاب الدرجة الأولى رفضوا إنقاذ ركاب الدرجة الثالثة. اليوم، الأغنياء ينجون في "قوارب النجاة" الخاصة بهم، بينما يُترك الفقراء لمصيرهم في مواجهة الفيضانات والمجاعات والحروب.
(4)
هل نصحو قبل أن نغرق جميعًا؟
العالم اليوم يرقص على إيقاع موسيقى النهاية. نحن بحاجة إلى ثورة وعي قبل ثورة سياسية أو اقتصادية. وعي يقول بوضوح: لا نجاة إلا بإعادة التوازن بين الإنسان والطبيعة. لا مستقبل إلا إذا أدركنا أنّ سفينة الأرض لا تفرّق بين غني وفقير عندما يحين وقت الغرق.
لكن... هل نحن مستعدون لأن نسمع قبل أن يبتلعنا المحيط؟ أم سنبقى نصفّق للموسيقى الأخيرة، حتى يغلق الماء علينا كل الأبواب؟
(5)
يا أيها الناس.. نحن لا نحتاج إلى نبوءة ولا إلى فيلم سينمائي كي نعرف الحقيقة المرّة: سفينتنا العربية تغرق.
نعم، تغرق ونحن واقفون على ظهرها نلوّح لبعضنا، نرقص على أنغام التفاهة، ونتسابق في صناعة السراب بينما المياه تتسلّل إلى غرفنا وتنهش جدراننا.
(6)
على ظهر هذه السفينة العربية، تجلس النُخب في مقصوراتها المخملية يتبادلون نخب الأمان الكاذب، ويحصون ثرواتهم التي لن تنقذهم حين تأتي موجة النهاية.
أما نحن – الشعوب – فقد تحوّلنا إلى جمهور مذهول، نلهث خلف كرة هنا، ومسلسل هناك، وموجة "ترند" عابرة، بينما القيود تلتف حول أعناقنا شيئًا فشيئًا.
بدل أن نصحو من الغيبوبة ونصرخ: "أيها الناس، هناك جبل جليدي أمامنا!"
نغرق في صمت خانع، ونصدّق أن كل شيء بخير، وأن السفينة بخير، حتى ونحن نشعر بالبرودة في أقدامنا وصوت تشقق الجدران من حولنا.
،،،،
ولسردية الغرق بقية...!
