بين إمكانية زيادة الإنتاج الزراعي وتعدد التحديات

 

 

 

محمد رامس الرواس

 

تواجه منطقة النجد تحديات هائلة، تستدعي وقفةً جادةً من جميع المسؤولين في الجهات المختصة؛ إذ تتعدد المحاصيل التي تمثل عصب الأمن الغذائي كالأعلاف لرافع الثروة الحيوانية، والقمح بأنواعه الذي سجلت حقول النجد الممتدة على مساحة 6408 أفدنة، حصادًا مُتميزًا بلغ حسب تقديرات المسؤولين أكثر من 8 آلاف طن، فضلًا عن التمور، والخضراوات كالطماطم، والبطاطس، والبصل، والخيار، والفواكه كالبطيخ والشمام وغيرها من المحاصيل الزراعية.

​لكن العطاء الوافر يصطدم بجملة من التحديات؛ فمزارعو النجد اليوم، لا سيما أصحاب المزارع القائمة والمنتجة- يعانون من ارتفاع تكاليف التشغيل وعلى رأسها أسعار الكهرباء، والضغوط المالية المستمرة من الجهات التمويلية والبنوك التجارية التي تعامل القطاع الزراعي بمنطق التجارة التقليدية، في الوقت الذي تتضاعف فيه أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية للضعف معتمدةً كليًا على الاستيراد الخارجي بينما المنتج المحلي يمكن أن يحافظ على الأسعار، هنا يبرز السؤال الجوهري: هل سيتقاعس مزارعو النجد عن الإنتاج لو وجدوا الدعم والأسواق؟ إنهم قادرون بلا شك على تحويل النجد لتغطية السوق المحلي طوال العام، لو وُجدت التسهيلات الحقيقية، بعيدًا عن كاهل الديون وغلاء التشغيل وتوفير الدعم.

حدثني أحد المستثمرين بمزارع النجد أنهم يتأملون وجود تمويل غير تقليدي، وضرورة مرونة شروط بنك التنمية العماني، وأضاف قائلًا "شريحة كبيره من المزارعين ما قدروا يطورا مزارعهم بسبب عدم وجود التسويق المهني والمختص وهو من أهم العمليات الزراعية بالرغم من تجهيز مركز لاستلام الإنتاج في الهيلة، ولكن حجمه لا يستوعب الإنتاج الحالي فما بالك بالاستثمارات الجديدة الموقعة بعقود انتفاع سترى النور قريبًا".

​إن النجاحات المهمة للمزارعين بالنجد، والتي تجسدت في احتضان المنطقة لنحو عدة مئات من المشاريع الاستثمارية، إلى جانب توفير وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه دعم، لا تزال بحاجة إلى إطار استراتيجي أوسع يترجمه "الاستثمار المؤسسي المباشر".

​هنا تتجسد الحاجة الملحة لخطوات عملية تضع في أولوياتها فرز المزارعين القدامى عن الشركات الاستثمارية الكبرى، ودعمهم عبر عدة ركائز أساسية منها إنشاء بنك زراعي لدعم المزارعين المحلين مما يسهل إنتاجهم وزيادته وتسويقهم، مع تأسيس مركز متكامل للتسويق والتجميع والفرز، وإنشاء المخازن، والصوامع، ومحافظ التبريد، لحماية المنتج المحلي.

​هذا بالإضافة الى توفير شركات مختصة بالعمالة الموسمية، وتثبيت أسعار المخصبات والأدوية الزراعية، مع زيادة إمداد المنطقة بالخدمات الأساسية وتوسيع مشاريع كبرى مثل "مدينة النجد الزراعية" التي تستهدف توفير مئات من الفرصة الوظيفية وإسكانهم لتعزيز رقعة التنمية، مع إعادة النظر في أسعار الكهرباء والطرق وتسهيل حفر الآبار التحفيزية.

​وختامًا.. إن الاستثمار في الاستقرار والسيادة ​مسؤولية تتعاظم يومًا بعد يوم  على كافة الجهات المختصة المعنية بهذا الموضوع، وفي مقدمتها جهاز الاستثمار العماني والجهات المختصة وعلى رأسها وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه لفتح آفاق الاستثمار الزراعي والتسويقي بمنطقة النجد لترتبط بكافة محافظات السلطنة، والاستثمار في النجد هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي، وبناء اقتصاد وطني مرن وقوي لا يتأثر بتقلبات الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد المهتزة، ففي زمن الأزمات لا يُقاس غنى الأوطان بسيادتها النقدية فحسب، بل بما تنتجه أراضيها  من حبوب وثمار وخيرات، ومنطقة النجد، بكل ما تملكه من إمكانيات كامنة، تنتظر قصة نجاح تنموية لتحقيق غايات وأهداف رؤية "عُمان 2040".

الأكثر قراءة

z