العادة.. أثرٌ لا يُرى

 

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

تُعدّ العادة من أكثر القوى تأثيرًا في حياة الإنسان وربما أكثرها هدوءًا أيضًا، فهي تعمل في الخلفية، ترافقنا في تفاصيل يومنا، وتوجّه كثيرًا من اختياراتنا وتصرفاتنا من دون أن ننتبه إلى حضورها، ومع مرور الأيام تتحول أفعال بسيطة نكررها إلى أنماط مستقرة ترسم ملامح حياتنا، وتحدد جانبًا من طريقة تفكيرنا وتعاملنا مع الوقت والناس والأحداث، نستيقظ كل صباح ونبدأ يومنا بالطريقة التي اعتدناها نستخدم الهاتف في أوقات محددة، نتناول طعامنا وفق نمط متكرر، نسلك الطرق ذاتها وننجز أعمالنا بأساليب أصبحت مألوفة لدينا، حتى ردود أفعالنا تجاه المواقف المختلفة قد تخضع للعادات التي تكونت في داخلنا عبر سنوات طويلة، وفي كثير من الأحيان نتصرف بصورة تلقائية، ثم نصل في لحظة تأمل إلى سؤال مهم « لماذا ما زالت حياتنا تسير بالطريقة نفسها»؟

قد تبدو الإجابة بسيطة إلا أن أثرها عميق؛ لأن الإنسان غالبًا ما يعيش جزءًا كبيرًا من يومه وفق ما اعتاد عليه، وما نكرره باستمرار يترك أثرًا في طريقة تفكيرنا وسلوكنا ونظرتنا إلى الحياة، الفعل الصغير الذي نمارسه اليوم قد يبدو عابرًا، ثم يتكرر غدًا وبعد غد، حتى يتحول إلى عادة مستقرة يصعب ملاحظتها بعد أن تصبح جزءًا طبيعيًا من تفاصيل الحياة، وهنا تكمن قوة العادة فهي لا تحتاج إلى ضجيج حتى تؤثر في الإنسان، ولا تحتاج إلى قرار يومي واعٍ حتى تستمر، يكفي أن يتكرر السلوك حتى يصبح أكثر سهولة وأقرب إلى التلقائية، ومع الوقت قد نجد أنفسنا نكرر السلوك ذاته من دون أن نسأل عن سببه أو عن الفائدة التي يقدمها لنا.

لهذا السبب فإن النظر إلى الحياة من زاوية العادات يمكن أن يكشف لنا كثيرًا من الأمور التي قد تغيب عن انتباهنا، فإذا كان الإنسان يشعر بأنه لا يتقدم، فقد تكون المشكلة في نمط يومه أكثر مما هي في الظروف المحيطة به، وإذا كان يريد تحقيق هدف معين، فقد يحتاج إلى مراجعة الأفعال التي يكررها يوميًا، لأن النتائج الكبيرة غالبًا ما تبدأ من تفاصيل صغيرة تتراكم مع الزمن، والأمر نفسه ينطبق على العادات الإيجابية قراءة صفحات قليلة كل يوم قد تبدو إنجازًا محدودًا، ثم تتحول بعد أشهر إلى معرفة واسعة، تخصيص وقت قصير للتخطيط قد يساعد الإنسان على تنظيم يومه بصورة أفضل، ممارسة الرياضة لفترة بسيطة إذا أصبحت منتظمة، يمكن أن تتحول إلى أسلوب حياة، وكذلك تخصيص وقت للتعلم أو التأمل أو التواصل مع الأسرة؛ كلها أفعال صغيرة غير أن استمرارها يمنحها قوة أكبر بكثير من حجمها في لحظة واحدة.

من هنا قد لا يحتاج تغيير الحياة دائمًا إلى قرارات ضخمة أو تحولات مفاجئة، أحيانًا يبدأ التغيير من عادة صغيرة يقرر الإنسان التخلي عنها، أو سلوك جديد يختار أن يمنحه مساحة في يومه، فالإنسان قد يحاول تغيير حياته دفعة واحدة، ثم يجد أن كثرة القرارات تجعل الاستمرار صعبًا، بينما يكون البدء بخطوة محددة وقابلة للتكرار أكثر واقعية وقدرة على الاستمرار، والمسألة في جوهرها تتعلق بالتراكم، فالعادة الصغيرة لا تصنع فرقًا كبيرًا في يوم واحد، لكنها تستطيع أن تصنع فرقًا واضحًا عندما تتكرر لفترة طويلة، دقيقة إضافية من القراءة، أو وقت قصير للتخطيط، أو عادة يومية في ترتيب الأولويات، قد تبدو أمورًا متواضعة، ثم تكشف الأيام أثرها الحقيقي.

واللافت أن العادات تعمل في الاتجاهين، كما يمكن لعادات جيدة أن تقود الإنسان نحو حياة أكثر تنظيمًا وهدوءًا وإنجازًا، تستطيع عادات أخرى أن تسحبه تدريجيًا إلى دائرة من التأجيل والفوضى وإهدار الوقت، لذلك فإن السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا من وقت إلى آخر هو «ما الأشياء التي أكررها كل يوم؟ وإلى أين تقودني»؟ وقد تكون الإجابة كافية لاكتشاف بعض جوانب حياتنا التي تحتاج إلى مراجعة، فالعادات مرآة صامتة تكشف طريقة عيشنا أكثر مما تكشفه الأمنيات والخطط، وما نفعله بصورة متكررة يقول الكثير عما نمنحه من وقت واهتمام وأولوية.

إن تغيير العادة يحتاج إلى وعي وصبر قد لا تظهر النتائج سريعًا، وقد يشعر الإنسان في البداية أن ما يفعله صغير إلى درجة لا تستحق الاهتمام، ثم تأتي مرحلة يبدأ فيها السلوك الجديد بالاستقرار، ويصبح جزءًا من اليوم، وتظهر آثاره تدريجيًا في التفكير والعمل والمزاج وتنظيم الوقت، لذلك ربما يكون الطريق إلى الحياة التي نريدها أقرب مما نتخيل، قد لا يبدأ بخطوة كبيرة، وإنما بقرار صغير يتكرر كل يوم، ومع كل تكرار تتراكم النتائج، ومع تراكم النتائج تتغير الصورة التي نراها أمامنا، فالعادة في النهاية مرشد صامت يرافق الإنسان من يوم إلى آخر وقد تقوده إلى المكان الذي يريده إذا أحسن اختيارها، وقد تبقيه في المكان ذاته إذا تركها تعمل دون مراجعة، وبين هذا وذاك يظل الإنسان قادرًا على أن يتوقف لحظة، وينظر إلى يومه بصدق ويسأل نفسه «أي عادة أحتاج إلى تغييرها اليوم حتى تكون حياتي غدًا أقرب إلى ما أريد»؟

الأكثر قراءة

z