عبير الحروف

 

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

الكلام أناقة والكلمة عنوان لصاحبها وما ينطق به الإنسان يكشف جانبًا من شخصيته وطريقة تعامله مع من حوله، وإن اختيار الكلمات يحتاج إلى قدر من الوعي والتأني، تمامًا كما يختار الإنسان ثيابه وعطره قبل أن يخرج إلى الناس، فالمظهر قد يلفت الانتباه للحظات، أما الكلمة فقد تبقى في الذاكرة وقتًا طويلًا، وربما ترافق صاحبها سنوات من عمره، وكثيرًا ما نتحدث بصورة عفوية ونقول عبارات نراها عابرة ولا نتوقف عندها طويلًا، قد ننشغل بعد دقائق بحديث آخر وننسى ما قلناه، بينما يظل الطرف الآخر يستعيد تلك الكلمات في ذهنه، ويتذكر نبرتها وطريقة وصولها إليه، هناك كلمات تمر مرورًا سريعًا، وهناك كلمات تستقر في القلب، وتترك أثرًا قد يصعب محوه لهذا فإن مسؤولية الإنسان تجاه كلماته تبدأ من إدراكه أن كل عبارة يقولها يمكن أن تصنع شعورًا، أو تغير موقفًا، أو تؤثر في علاقة.

الكلمة القاسية قد تكون أشد إيلامًا من الضربة؛ لأنها تصل إلى مكان لا تراه العين، جرح الجسد يمكن رؤيته ومعالجته، أما الجرح الذي تسببه عبارة جارحة فقد يختبئ خلف الصمت والابتسامة، ويظل صاحبه يحمل أثره داخله، وربما يقول الإنسان كلمة في لحظة غضب، ثم يهدأ وينساها، فيما يبقى أثرها في نفس من سمعها حاضرًا لأيام طويلة، وكم من علاقة تأثرت بسبب عبارة قيلت في لحظة انفعال، وكم من شخص فقد شيئًا من ثقته بنفسه نتيجة كلمة سمعها من شخص كان ينتظر منه الدعم والاحتواء، قد تكون الجملة قصيرة، غير أن معناها يكون ثقيلًا على القلب، كلمة تقلل من شأن إنسان، أو تسخر من جهده، أو تستخف بمشاعره، يمكن أن تهدم في داخله شيئًا احتاج وقتًا طويلًا حتى يبنيه.

في المقابل للكلمة الطيبة قدرة كبيرة على صناعة الفرق، كلمة تقدير صادقة قد تعيد إلى الإنسان ثقته بنفسه، وعبارة تشجيع في الوقت المناسب قد تمنحه طاقة جديدة لمواصلة الطريق، أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى هدية ثمينة حتى يشعر بأنه موضع تقدير؛ فقد تكفيه كلمة بسيطة تحمل صدقًا حقيقيًا مثل «أحسنت» أو «أنا أقدّر ما فعلت» أو «وجودك يصنع فرقًا»، هذه العبارات تبدو بسيطة لكنها قد تأتي في لحظة يحتاج فيها الإنسان إليها بشدة، شخص يمر بيوم صعب قد يجد في كلمة طيبة مساحة من الأمان، وشخص يشعر بالإحباط قد يستعيد شيئًا من حماسه عندما يسمع من يقدّر جهده، فلا ينبغي أن نقلل من قيمة الكلمات الجميلة بحجة بساطتها؛ فالأشياء الصغيرة قد تترك أحيانًا أكبر الأثر.

ومن هنا تأتي أهمية التريث قبل الحديث خصوصًا في لحظات الغضب والانفعال، فالإنسان عندما يغضب قد يقول ما لا يقصده، وقد يدفعه الانفعال إلى اختيار عبارات قاسية يصعب التراجع عنها بعد خروجها، ومن الحكمة أن يمنح الإنسان نفسه لحظة صمت قبل الرد، وأن يسأل نفسه: هل أحتاج فعلًا إلى قول هذه العبارة؟ وهل يمكنني إيصال الفكرة بطريقة أكثر احترامًا وهدوءً؟ فالاختلاف في الرأي لا يمنح أحدًا الحق في الإساءة إلى الآخرين، يمكن أن نختلف ونحتفظ بالاحترام، ويمكن أن نقدم النصيحة دون تجريح، ويمكن أن نعاتب من نحب دون أن نحوله إلى خصم، العتاب الصادق قد يقرب القلوب عندما يصاغ بلغة هادئة، بينما يتحول إلى مصدر للألم عندما يحمل الإهانة والتقليل من شأن الطرف الآخر.

الأناقة الحقيقية تظهر في تفاصيل كثيرة تتجاوز الملابس والمظهر، تظهر في طريقة استقبال الناس، وفي نبرة الصوت، وفي القدرة على الاستماع، وفي اختيار الكلمات المناسبة لكل موقف، وقد يكون الإنسان أنيقًا في مظهره، ثم يفقد جزءًا كبيرًا من هذه الأناقة عندما يتحدث بطريقة جارحة أو متعالية، فالإنسان يترك انطباعه في نفوس الآخرين من خلال مظهره وكلامه وسلوكه معًا، فاجعل كلماتك تشبه الصورة التي تحب أن يراك الآخرون بها..... راقية، هادئة، صادقة ومليئة بالاحترام، ولا تجعل قوة صوتك دليلًا على قوة حجتك، ولا تجعل القسوة وسيلة لإثبات حضورك، فالإنسان الواثق يستطيع أن يعبر عن رأيه بوضوح دون أن يهين من أمامه، ويستطيع أن يضع حدودًا واضحة دون أن يحول الحديث إلى خصومة، وتذكر أن اللسان قادر على بناء الجسور بين القلوب كما يستطيع أن يصنع حواجز يصعب عبورها، كلمة اعتذار قد تعيد علاقة إلى طريقها، وكلمة تقدير قد تقوي صداقة، وكلمة شكر قد تجعل إنسانًا يشعر بأن جهده مرئي ومقدر، وفي الجهة الأخرى قد تكون كلمة واحدة سببًا في مسافة طويلة بين شخصين كانا قريبين، فاختر كلماتك كما تختار أجمل ما ترتديه، فالثياب قد ينسى الناس تفاصيلها بعد وقت، أما الكلمة فقد تبقى في الذاكرة بكل تفاصيلها « من قالها، ومتى قيلت، وكيف قيلت، وما الشعور الذي تركته»، والكلمة الحلوة هدية لا تحتاج إلى مال، لكنها قد تعني الكثير لمن يسمعها، وقد تجعل يومه أكثر لطفًا، وقلبه أكثر اطمئنانًا، وعلاقته بك أكثر دفئًا.

قبل أن تتحدث تذكر أن أمامك إنسانًا يحمل مشاعره وتجاربه وظروفه التي قد لا تعرف عنها شيئًا، ربما يكون في داخله ما يكفي من التعب، ولا يحتاج منك إلا كلمة تمنحه بعض الراحة، وربما يكون قد بذل جهدًا كبيرًا ويحتاج إلى من يقول له إنه فعل شيئًا يستحق التقدير، لا تبخل بالكلمة الطيبة عندما تكون قادرًا على قولها، فليكن كلامك أثرًا جميلًا يترك في النفوس راحة وفي القلوب محبة وفي الذاكرة ذكرى طيبة، واجعل حديثك مساحة يشعر فيها الآخر بالأمان والاحترام، حتى عندما تختلف معه، فالكلمة مسؤولية وحسن اختيارها دليل على وعي الإنسان ونضجه.

وقد تبدأ أناقة الإنسان من لسانه كما تبدأ من مظهره فكما نحرص على أن يكون ثوبنا مرتبًا وعطرنا مناسبًا وحضورنا لائقًا، علينا أن نحرص على أن تكون كلماتنا كذلك، ولأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد حديثه هو شعور طيب في قلب من استمع إليه، وعندما تصبح الكلمة صادقة وراقية ومحترمة، فإنها تتحول من مجرد صوت عابر إلى أثر جميل يعيش طويلًا في ذاكرة الآخرين.

الأكثر قراءة

z