من الادعاء إلى النيابة.. هل يتغير الاسم أم الفلسفة؟

 

 

 

عبدالوهاب البلوشي

 

صدر المرسوم السلطاني بتغيير مسمى الادعاء العام إلى النيابة العامة. قد يبدو التغيير للوهلة الأولى لغويًا أو شكليًا، لكنه يحمل في الواقع دلالات مؤسسية وقانونية أعمق بكثير من مجرد استبدال كلمة بأخرى.

وقد أوضح سعادة نصر بن خميس الصواعي النائب العام، جانبًا مهمًا من فلسفة هذا التغيير؛ حيث أشار إلى أن مسمى الادعاء العام ارتبط بالنظام الأنجلوسكسوني بسلطة الاتهام دون التحقيق، في حين أن مسمى النيابة العامة يعبر بصورة أدق عن الإنابة عن المجتمع وتمثيله في تحريك الدعوى العمومية والتحقيق فيها والتصرف فيها، وفق النموذج اللاتيني والمعايير الدولية.

هذا التفسير يضعنا أمام سؤال أهم من تغيير المسمى نفسه، وهو هل يؤدي تغيير الاسم تلقائيًا إلى تغيير الفكر والفلسفة والممارسات التي تشكلت وترسخت عبر عقود؟

في تقديري أن الإجابة "ليست بالضرورة".

من السهل نسبيًا تغيير مسمى مؤسسة، وتعديل اللوحات والأختام والمراسلات والمسميات الوظيفية. لكن الأصعب بكثير هو تغيير الثقافة المؤسسية التي تراكمت عبر السنوات. فالمؤسسات، مثل البشر، تكتسب بمرور الزمن عادات وطرق تفكير وممارسات قد تستمر حتى بعد تغير القوانين والهياكل والمسميات.

القيمة الحقيقية للمرسوم لن تكون في الانتقال اللغوي من الادعاء إلى النيابة فحسب، وإنما في مقدار ما يصاحب ذلك من انتقال في فلسفة العمل ذاتها.

الفرق بين الكلمتين ليس بسيطًا. الادعاء قد يوحي في الذهن العام بوجود طرف يتهم وطرف يدافع. أما النيابة فتحمل معنى أوسع بأن هناك من ينوب عن المجتمع في حماية العدالة والمصلحة العامة. وهنا تتغير زاوية النظر بالكامل.

إذا كان عضو النيابة ينوب عن المجتمع، فإن مهمته لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها الوصول إلى الإدانة في كل قضية، وإنما الوصول إلى العدالة في كل قضية.

قد تكون العدالة في إحالة متهم إلى المحكمة عندما تتوافر الأدلة، وقد تكون في حفظ القضية عندما لا تكفي الأدلة، وقد تكون في عدم الاستمرار في إجراء يَمَس حرية الإنسان عندما تنتفي مبرراته، وقد تكون في التصالح عندما يسمح القانون بذلك وتتحقق به المصلحة.

النيابة عن المجتمع تعني حماية المجتمع من الجريمة، لكنها تعني بالقدر نفسه حماية أفراد المجتمع من الظلم. وهذا هو التحوُّل الفكري الأهم الذي يمكن أن يمنح المسمى الجديد معنى حقيقيًا.

من هنا قد يكون من المناسب أن يُصاحِب التغيير مراجعة أوسع لعدد من الجوانب كبرامج إعداد وتأهيل أعضاء النيابة العامة، وأدلة وإجراءات العمل، وأساليب تقييم الأداء، وفلسفة التحقيق، والتعامل مع الحبس الاحتياطي، والحفظ والتصالح، وطريقة التواصل مع أطراف الدعوى والجمهور.

ويبرز هنا سؤال مهم حول مؤشرات الأداء وهو كيف نقيس نجاح عضو النيابة؟ هل بعدد القضايا التي أحالها إلى المحاكم؟ أم بنسبة الأحكام بالإدانة؟ أم بسرعة إنجاز الملفات؟

هذه مؤشرات قد تكون مفيدة، لكنها لا تكفي لقياس العدالة.

ربما يكون من مؤشرات النجاح أيضًا، دقة القرار، وجودة التحقيق، وسلامة الإجراءات، وعدم إطالة القيود على الحرية دون ضرورة، والقدرة على اكتشاف ضعف الأدلة في وقت مبكر، وحفظ القضايا التي لا تستوجب الاستمرار فيها؛ فالعدالة ليست مسابقة لزيادة عدد الإدانات.

ومن أهم التحولات كذلك، ترسيخ مفهوم أن البحث عن الأدلة التي قد تنفي الاتهام لا يقل أهمية عن البحث عن الأدلة التي تثبته. فإذا كان عضو النيابة نائبًا عن المجتمع، فإنه لا يمثل طرفًا ضد طرف، وإنما يمثل مصلحة المجتمع في الوصول إلى الحقيقة في إطار القانون.

وهنا يصبح تغيير المسمى فرصة لإعادة طرح سؤال جوهري داخل المؤسسة وهو من نمثل؟ وما الغاية النهائية من عملنا؟

الإجابة التي يقدمها المسمى الجديد واضحة وهي أننا نمثل المجتمع، والغاية هي العدالة.

لكن الثقافات المؤسسية لا تتغير بالنصوص وحدها؛ فهي تتغير عندما تتحول النصوص إلى تدريب، والتدريب إلى سلوك، والسلوك إلى ممارسة يومية، والممارسة إلى ثقافة راسخة.

لهذا فإن نجاح هذا التحول لن يقاس فقط بما سيُكتب على واجهة المبنى، وإنما بما سيشعر به المواطن عندما يدخل ذلك المبنى.

هل سيشعر أنه أمام جهة هدفها إثبات الاتهام، أم أمام مؤسسة قضائية مستقلة تبحث عن الحقيقة وتحمي حق المجتمع وحق الفرد في الوقت ذاته؟

يمكن طرح سؤال بسيط لكنه عميق وهو إذا تغيَّرت اللوحة على المبنى، وتغيرت الأختام والمسميات والبطاقات، لكن بقيت طريقة التفكير والممارسة كما كانت، فما الذي تغيَّر بالنسبة للمواطن؟

ليس المقصود بهذا السؤال توجيه نقد للممارسات القائمة أو افتراض وجود خلل فيها، وإنما التأكيد على حقيقة إدارية معروفة وهي أن أي تغيير مؤسسي كبير يظل ناقصًا ما لم يصل إلى الثقافة والسلوك والممارسة.

المرسوم السلطاني يمثل في تقديري بداية التحول وليس نهايته.

الانتقال من الادعاء العام إلى النيابة العامة فرصة مهمة لتأكيد فلسفة قضائية تقوم على أن هذه المؤسسة لا تقف في مواجهة المواطن، وإنما تقف نيابة عن المجتمع كله. وأن المجتمع لا يريد إدانة الأبرياء مثلما لا يريد إفلات المذنبين.

وبين هذين الهدفين تقف العدالة.

ربما بعد سنوات لن يكون السؤال المهم متى تغير اسم الادعاء العام إلى النيابة العامة؟

بل سيكون السؤال الأهم ماذا تغير في ممارسة العدالة بعد أن أصبحنا نسميها النيابة العامة؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد القيمة الحقيقية لهذا التحول.

فالاسم الجديد يحمل رسالة كبيرة، ويبقى التحدي الأكبر أن تصبح فلسفة الاسم هي فلسفة الممارسة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z