القبطان/ خليل الهوتي
لم يكن البحر في التجربة العُمانية مجرد مساحة جغرافية تحيط بالوطن، ولم تكن علاقة العُمانيين به علاقة عبور أو تجارة فحسب. فمن البحر امتدت صلات عُمان الحضارية والتجارية، وعبره تشكل جانب مهم من حضورها في المحيط الهندي وشرق أفريقيا وما وراءهما.
واليوم، وبعد قرون من ذلك التاريخ، يعود البحر ليطرح نفسه بصورة مختلفة: ليس بوصفه جزءًا من الماضي، وإنما أحد عناصر القوة والفرص في مستقبل عُمان.
فامتلاك موقع بحري متميز لا يعني بالضرورة امتلاك قوة بحرية اقتصادية متكاملة، كما أن وجود موانئ متقدمة لا يكفي وحده لبناء مكانة بحرية مستدامة. الجغرافيا تمنح الدول الفرصة، أما تحويل هذه الفرصة إلى قيمة اقتصادية ومعرفية واستراتيجية، فيحتاج إلى رؤية وقدرات ومؤسسات وإنسان قادر على المنافسة.
وتزداد أهمية ذلك عندما ندرك أن أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية يُنقل بحرًا وفقًا للمنظمة البحرية الدولية. وبالنسبة لسلطنة عُمان، فإن المسألة أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الوطني؛ ففي عام 2024 بلغت قيمة تجارة الاستيراد والتصدير عبر الموانئ البحرية نحو 16.5 مليار ريال عُماني، بما يقارب 77% من إجمالي تجارة السلطنة الخارجية.
لكن الأرقام، على أهميتها، لا ينبغي أن تكون نهاية الحديث، بل بدايته. السؤال الأهم هو: ما مقدار القيمة التي نستطيع أن نبنيها حول كل هذه الحركة البحرية؟
فالقيمة البحرية لا تُقاس فقط بحجم البضائع التي تعبر الموانئ، وإنما أيضًا بما ينشأ حولها من صناعات وخدمات واستثمارات ومعرفة. تبدأ من تشغيل السفن وإدارتها، وتمتد إلى الخدمات اللوجستية والتأمين والتصنيف والصيانة والصناعات البحرية، وصولًا إلى التشريعات والتمويل والتقنية والبحث العلمي والتعليم والتدريب والأمن البحري وحماية البيئة.
كل حلقة من هذه الحلقات تمثل اقتصادًا قائمًا بذاته، وفرصًا وظيفية، ومعرفة يمكن توطينها، وقدرة وطنية يمكن البناء عليها.
وهذا يقودنا إلى مفهوم أوسع لما يعنيه أن تكون عُمان دولة بحرية. فساحلنا الممتد لنحو 3,165 كيلومترًا، وإطلالتنا على مضيق هرمز وبحر عُمان وبحر العرب، وموانئ صحار والدقم وصلالة، تمنح السلطنة موقعًا فريدا. لكن القيمة الاستراتيجية للموقع لا تتحقق بمجرد وجوده؛ بل بقدرتنا على تحويله إلى نفوذ اقتصادي، وكفاءة مؤسسية، وخبرة وطنية، ومشاركة مؤثرة في تشكيل مستقبل القطاع البحري إقليميًا ودوليًا.
مستقبل القطاع البحري يتغير أمامنا بسرعة. إزالة الكربون تعيد رسم اقتصاديات تشغيل السفن واختيار الوقود. والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يغيران طبيعة العمل البحري. والاضطرابات الجيوسياسية تعيد توجيه طرق التجارة وترفع أهمية أمن الممرات البحرية. وفي الوقت نفسه، أصبحت التشريعات البيئية والفنية الدولية أكثر تأثيرًا في قرارات الاستثمار وفي قدرة الشركات والدول على المنافسة.
لذلك، فإن الاستعداد للمستقبل البحري لا يبدأ من الرصيف وحده، بل من بناء القدرة البحرية الوطنية. وهذه القدرة تبدأ بالإنسان. نحتاج إلى جيل لا يرى في البحر وظيفة تقليدية فحسب، بل فضاءً للقيادة والهندسة والتقنية والاستثمار والبحث والابتكار. ونحتاج إلى مؤسسات تعليمية وتنظيمية واقتصادية قادرة على استباق التحولات، لا مجرد الاستجابة لها بعد وقوعها.
كما نحتاج إلى وعي أوسع بأن البحر ليس شأنًا يخص العاملين في القطاع البحري وحدهم. فأمنه يرتبط بأمننا، وحركة التجارة فيه ترتبط باقتصادنا، واستدامته ترتبط بمواردنا، وما يحدث في ممر بحري على بعد آلاف الأميال قد يصل أثره إلى المستهلك في عُمان خلال فترة قصيرة.
لقد منحت الجغرافيا عُمان موقعًا بحريًا استثنائيًا، ومنحها التاريخ إرثًا بحريًا عريقًا. أما التحدي الحقيقي اليوم، فهو كيف نحول الجغرافيا والإرث إلى قدرة بحرية وطنية تصنع قيمة للمستقبل.
