المحتوى المحلي.. بيانات تفتقر للمركزية

 

 

 

سلطان الخضوري

خلال العديد من النقاشات مع المختصين في المحتوى المحلي، دائمًا ما يُناقَش تنوع مصادر بيانات ومعلومات المحتوى المحلي بين المنصات المختلفة في سلطنة عُمان، باختلاف طبيعتها، من تسجيل موردين ومراقبة الأداء وغيرها من المنصات؛ مما يُشتِّت مركزية البيانات والمعلومات التي قد تُساهم في اتخاذ القرارات المرتبطة بالمحتوى المحلي على المستوى الوطني.

وتُعد البيانات في العصر الرقمي أحد أبزر الأصول الاستراتيجية للدول؛ إذ تعتمد الحكومات الحديثة على البيانات الدقيقة والموثوقة في صياغة السياسات العامة، والقرارات، وقياس الأداء. كما أن هذه البيانات لم تعد مجرد مخرجات تشغيلية للجهات الحكومية أو القطاع الخاص؛ بل أصبحت موردًا وطنيًا يساهم في توجيه الاقتصاد وتعزيز القدرة التنافسية، وذلك من خلال دعمها بالذكاء الاصطناعي للبيانات الآنية، التي تهدف إلى تحسين جودة البيانات، وتوحيد معاييرها، وتسهيل تبادلها بين المؤسسات ومتخذي القرار؛ بما يدعم اتخاذ القرار المبني على الأدلة.

وفي وقتنا الحالي تتجه بعض دول المنطقة إلى تبني استراتيجيات وطنية لحوكمة البيانات، ومن ضمنها سلطنة عمان جاء ذلك من خلال الإطار التنظيمي لحوكمة وإدارة البيانات الوطنية الصادر من وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات (2025) بجانب استراتيجية البيانات الوطنية الصادر من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بقرار رقم (103/2022).

وشهد تطبيق سياسات المحتوى المحلي في السلطنة تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة بشكل عام والخطة الخمسية الحادية عشرة بشكل خاص من خلال كافة المستويات الوطنية، إلّا أن البيانات المتعلقة بالمحتوى المحلي تفتقر للمركزية الوطنية بين عدد من الجهات الحكومية والقطاع الخاص؛ مما قد يؤدي هذا التشتت إلى تعدد قواعد البيانات واختلاف المصطلحات والمنهجيات المستخدمة في جمع البيانات وتحليلها، وهو ما يحد من إمكانية بناء صورة وطنية شاملة حول الأداء الحقيقي للمحتوى المحلي وأثره. كما أن اختلاف مؤشرات القياس بين القطاعات الاقتصادية يجعل من الصعب اتخاذ القرارات الاستراتيجية أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات جزئية أو قطاعية، الأمر الذي يؤثر في دقة التخطيط الاستراتيجي وتحديد أولويات التنمية.

وانطلاقًا من هذه التحديات، تبرُز الحاجة إلى إنشاء منصة وطنية موحدة لحوكمة بيانات ومعلومات المحتوى المحلي دون إلغاء المنصات القطاعية القائمة؛ باعتبارها المغذي للمنصة الوطنية، وتكون بمثابة البنية الرقمية المركزية التي تربط جميع الجهات ذات العلاقة ضمن إطار موحد لإدارة البيانات. ولا يقتصر دور هذه المنصة على تجميع البيانات؛ بل يمتد ليشمل توحيد مصطلحاتها، وضمان جودتها، وإدارتها وفق سياسات حوكمة واضحة، مع توفير أدوات تحليل متقدمة تساعد متخذي القرار على تقييم الأداء وقياس الأثر واتخاذ قرارات وطنية مبنية على حقائق وأرقام مثل نسب تعمين ودعم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتوجهات الاستثمارية.

وحينها من الممكن أن تحقق المنصة عددًا من الآثار الإيجابية، من أبرزها تحسين جودة القرارات، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ورفع كفاءة متابعة تنفيذ سياسات المحتوى المحلي، بالإضافة إلى دعم التكامل المؤسسي بين الجهات الحكومية المختلفة. كما ستوفر قاعدة معرفية موحدة تساعد على قياس الأثر الاقتصادي للمحتوى المحلي، وتحليل سلاسل القيمة، وتعزيز فرص توطين الصناعات والمنتجات الوسيطة.

إنَّ تبنِّي منصة وطنية موحدة لحوكمة بيانات ومعلومات المحتوى المحلي من المُشرِّع يمثل خطوة استراتيجية نحو تطوير منظومة وطنية متكاملة لإدارة البيانات الخاصة بالمحتوى المحلي والذي قد يساعد في تحقيق مستهدفات السياسة الوطنية للمحتوى المحلي ورؤية "عُمان 2040"، كما يساهم أيضًا في إصدار التشريعات أو تطبيق المبادرات الخاصة بالمحتوى المحلي.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z