بروتوكول وطني للإنقاذ البحري

 

علي بن حبيب اللواتي

 

في نهاية يونيو 2026، تقريباً، جنحت الناقلة "كارولين بيزنغي" وهي تحمل 800 ألف برميل من النفط الروسي، قبالة جزر الحلانيات في محافظة ظفار، مثلما نُشر الخبر، وفي نهاية شهر يوليو، تقريبا، أعلنت الجهات المعنية إرسال فرق الاستجابة إلى المنطقة.

في هذه المدة، وصلت البقع النفطية إلى الشواطئ والشعاب المرجانية وأماكن تكاثر السلاحف، فعليه تضاعفت الجهود وتكلفة التنظيف.

السؤال الذي يطرح نفسه: كيف نضمن ألا يتكرر هذا التأخير مستقبلًا؟

ونحن هنا- أولا- نُسجِّل شكرنا وتقديرنا لهيئة البيئة واللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة وكل الفرق الميدانية على جهودهم في احتواء الحادثة رغم الظروف الصعبة. هدف هذه المقالة ليس النقد، بل اقتراح "بروتوكول وطني للإنقاذ البحري لمواجهة كوارث التلوث"، ليسهل عملهم ويحمي بحرنا في المرات القادمة لا سمح الله، وقد اختصرنه بالنقاط التالية:

النافذة الذهبية التي يجب ألا نغلقها: يقول خبراء البيئة البحرية إن أول 72 ساعة بعد التسرب هي "النافذة الذهبية"، في هذه الساعات يمكن احتواء 70% إلى 80% من الكارثة.

ماذا يجب أن يحدث فورًا في أي حادثة مقبلة- لا سمح الله؟

أولًا: سحب النفط من السفينة: إرسال ناقلة إنقاذ فورًا لشفط النفط من خزانات السفينة الجانحة ونقله، هذه العملية اسمها STS. وكل يوم تأخير يعني خطر تكسر السفينة وتسرب أكبر.

ثانيًا: تطويق الكارثة: وضع حواجز عائمة حول السفينة والبقعة النفطية. النفط المحصور أسهل بـ10 مرات في الشفط من النفط المنتشر في البحر.

ثالثًا: شفط ما يمكن شفطه: إرسال سفن متخصصة لسحب النفط قبل أن تصل إلى الشاطئ وتقتل الشعاب والسلاحف.

رابعًا: حماية الناس: إعلان منطقة محظورة للصيد والملاحة لحماية الصيادين والبيئة.

القاعدة بسيطة: "أنقذ أولًا.. وحاسب لاحقًا".

وفيما يلي أنقل تجارب من سبقونا في هذا التحدي.

1. في إسبانيا 2002، عندما جنحت ناقلة "برستيج" وتسرب 63 ألف طن، لم تنتظر الحكومة الإسبانية موافقة شركة التأمين. سحبت السفينة للبحر العميق. بعدها بـ 5 سنوات، ألزمت المحاكم الأوروبية شركة التأمين بدفع 1.5 مليار يورو.

2. في فرنسا 1999، بعد حادثة "إريكا"، نزل 3000 جندي ومتطوع خلال 48 ساعة. المحاكم الفرنسية لاحقًا ألزمت الشركات بدفع 192 مليون يورو.

3. في موريشيوس 2020، خلال 24 ساعة من جنوح ناقلة "واكاشيو" في محمية طبيعية، أعلنت الحكومة حالة طوارئ واستأجرت أكبر شركات الإنقاذ في العالم. اليابان دفعت كل التكاليف لاحقًا.

في كل الحالات كان الشعار واحد: إنقاذ البيئة لا يرتبط بالتفاوض.

خامسًا: ركائز للبروتوكول الوطني للإنقاذ البحري لمواجهة كوارث التلوث، وهنا أقترح ركائز أساسية للبروتوكول الوطني، كالآتي:

1. شركات التأمين لا يجب أن توقفنا. معظم الناقلات مؤمنة في "نوادي P&I". وهذه النوادي تطلب أسابيع للموافقة على الدفع. الحل: قانون وطني يلزمها بدفع "سلفة طوارئ" خلال 72 ساعة في المناطق الحساسة. الدولة تنقذ ثم تسترد الفلوس منهم لاحقًا بمبدأ "الملوث يدفع".

2. موسم الخريف لا يرحم المتأخرين. من يونيو إلى سبتمبر يأتي موسم الخريف على سواحل ظفار بأمطار غزيرة وأمواج ارتفاعها 4 إلى 6 أمتار ورياح شديدة.

شركة "أمبري" البريطانية أشارت في تقاريرها إلى أن "موسم الخريف السنوي يعقد جهود الإنقاذ". الحل: اعتبار الفترة الأولية هي "نافذة خطر قصوى". أي جنوح يجب تفريغه فورًا من خلال امتلاك معدات مقاومة للموج.

3. الصياد هو أول ضحية. جزر الحلانيات محمية بحرية أعلنتها سلطنة عُمان العام الماضي ومصدر رزق لأكثر من 2000 صياد. وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه اضطرت لنصح الصيادين بالابتعاد عن المنطقة.

ويقدر خبراء البيئة أن تكلفة تنظيف كيلو متر واحد من الشاطئ الملوث قد تتجاوز عشرات الآلاف من الريالات، ناهيك عن خسارة مواسم الصيد لسنوات.  الحل: إنشاء "صندوق تعويضات سريع" يصرف للصيادين المتضررين خلال أسبوع. وإلزام المالك بدفع تعويض عن "خسارة سبل العيش" وليس فقط تكلفة التنظيف.

4. عيوننا في السماء. السفينة "كارولين بيزنغي" كانت من "أسطول الظل" وتحت العقوبات. هذه السفن غالبًا تطفئ أجهزة التتبع وتقترب من المحميات. الحل: تمكين اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة من استخدام الأقمار الصناعية في مراقبة السواحل باستمرار؛ فأي سفينة تتوقف أكثر من 24 ساعة قرب الحلانيات يجب أن تصلها دورية وتحذير فوري.

5. قانون "التفريغ القسري". القانون الدولي واتفاقية OPRC 1990 تعطي للدولة الساحلية حق التدخل الفوري لحماية بيئتها. الحل: نص قانوني واضح يقول: "إذا جنحت ناقلة في نطاق 12 ميل من محمية طبيعية، يحق للحكومة العمانية استئجار ناقلة إنقاذ وتفريغها قسرًا خلال 72 ساعة. وتتحمل جميع التكاليف لاحقًا على المالك والتأمين". 

هذا ما فعلته إسبانيا في برستيج وأيدته المحاكم.

إن الصور التي وصلتنا من الشواطئ العمانية التي تحت جهود التنظيف حقًا مؤلمة، فأكياس سوداء على الشاطئ، وفرق تنظف الصخور، وطيور ملوثة بالنفط. كان يمكن أن نقلل الضرر لو بدأنا العمل من النافذة الذهبية.

مرة أخرى، الشكر موصول لكل من عمل في الميدان، ويجب أن نفصل بين مسارين: مسار التفاوض وهذا له محامييه، ومسار البحر له رجاله ومعداته وقراراته السريعة.

البحر لا ينتظر، والسلاحف لا تنتظر، والصياد لا ينتظر.

نسأل الله أن يحمي عُماننا الحبيبة، جوًا وأرضًا وبحرًا.

الأكثر قراءة

z