علي بن حبيب اللواتي
إنه مرور حر، وخدمات متنوعة، وسلامة الإبحار تمول من مستخدميها، وسيادتنا لا مساس بها.
لقد صرح معالي وزير الخارجية العُماني بوضوح لا يحتمل التأويل: "إن الترتيبات المستقبلية في مضيق هرمز لا تشمل فرض أي رسوم على عبور السفن".
فمن هذا المبدأ نبدأ المقالة...
فمضيق هرمز ممر ملاحي إقليمي مفتوح أمام جميع سفن العالم، بلا رسوم عبور، وبلا قيود، وبلا مساس بحرية الملاحة التي كفلها القانون الدولي، وهذه سيادة سلطنة عُمان، وهذا التزامها الثابت أمام العالم.
والسند القانوني واضح ومحسوم، فالمادة (26) الفقرة (2) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تمنع صراحة فرض "رسوم على العبور"، لكنها، في الوقت نفسه، تجيز تحصيل مقابل "خدمات محددة مقدمة للسفينة"، كما تمنح المادة (42) الفقرة (1) الدولة الساحلية حق إصدار التشريعات "لمنع التلوث الناشئ عن السفن ومراقبته والحد منه"، أي أن القانون الدولي يفصل بصرامة بين المرور المجاني المكفول، وبين الخدمة التي لها كلفة مالية.
والواقع اليومي لا يحتمل المجاملة، فالكثافة الملاحية في المضيق بلغت مستويات غير مسبوقة، وحوادث التلوث تتكرر، وممارسات تنظيف خزانات السفن في المياه الإقليمية أصبحت عادةً يومية.
وعليه، لم تعد حماية البيئة البحرية واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل تحولت إلى كلفة تشغيلية يومية باهظة تتحملها الدول الساحلية منفردة، بينما يستفيد العالم أجمع من أمن الممر وسلامته، ومن هنا يبرز بوضوح مبدأ العدالة المنشودة مستقبلًا.
فمضيق هرمز هو شريان حيوي للطاقة يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز والبضائع المنقولة بحرًا بواسطة أسطول عالمي ضخم، والذي، بالتأكيد، يحتاج إلى خدمات الإرشاد أو الاستجابة للطوارئ، أو قد يتعرض لحوادث تستوجب تدخلًا فوريًا. لذلك يقر المنطق العادل: كل من يستخدم المضيق للعبور، سواء سفنه الخاصة، أو السفن العالمية الذاهبة إليه، أو المنطلقة منه، أو السفن المحلية لعُمان، عليه أن يساهم في كلفة توفير السلامة والبيئة.
ولا تتحمل الخزينة العامة للدولة، ولا الشعب العُماني، كلفة أمن ينتفع به العالم، ولا حتى ننتظر تمويلًا خارجيًا خاصًا قد يأتي بشروط تمس سيادة القرار، فعليه، هل هناك نماذج دولية مماثلة يمكن الاقتداء أو الاقتباس بها؟ نعم، هناك... فجمهورية تركيا تطبق هذا المنطق منذ عقود في مضيقي البوسفور والدردنيل، وهما مضيقان طبيعيان على غرار مضيق هرمز.
فتحصل تركيا على مبالغ مقابل تقديمها خدمات المنارات، والفحص الصحي، والإنقاذ، وغيرها، وتصرح بأن هذه العوائد تخصص لفرق الإنقاذ، وإزالة آثار الحوادث، وحماية البيئة، كما تراجع أسعار خدماتها باستمرار حسب التضخم العالمي، ويمكن لعُمان ربط أسعار خدماتها بالمشابه لها المقدمة عالميًا، ومراجعتها دوريًا كل عام حسب مؤشرات التضخم.
وهناك نموذج ثانٍ، وهو "المضيق الثلاثي": صندوق الملاحة البحرية لمضيقي ملقا وسنغافورة، حيث يمثل "صندوق الملاحة البحرية للمضيق الثلاثي" نموذجًا دوليًا راسخًا يجسد ذات المبدأ الذي يقوم عليه "بروتوكول مسقط".
فقد أنشأت الدول المشاطئة الثلاث: إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، هذا الصندوق عام 2007، بدعم فني من المنظمة البحرية الدولية (IMO)، لتمويل الخدمات الملاحية والبيئية في أحد أكثر الممرات المائية ازدحامًا في العالم، حيث يمر 30% من تجارة العالم المختلفة من خلاله.
ويقوم الصندوق على التمويل التطوعي وفق قاعدة "المستفيد يدفع". فتسهم فيه الدول المشاطئة، إلى جانب شركات الشحن ومالكي السفن العابرة. وتوجه موارده حصريًا لتمويل خدمات لا تمس حق المرور المكفول، كصيانة وسائل الإرشاد الملاحي والمنارات والعوامات، ومكافحة التلوث البحري الناتج عن مخلفات السفن، وإجراء المسوحات البحرية، وتحديث الخرائط.
وتؤكد نجاح واستمرارية هذا النموذج انعقاد الاجتماع الرابع والثلاثين للجنة الصندوق في سنغافورة بتاريخ 17 أبريل 2026، مما يبرهن أن التعاون الدولي في تمويل خدمات السلامة البحرية ممكن ومستدام، دون المساس بسيادة الدول المشاطئة أو فرض رسوم على العبور.
إن النموذجين -التركي و"المضيق الثلاثي"- يقدمان دليلًا عمليًا على أن القانون الدولي يتيح للدول الساحلية ابتكار آليات عادلة لتمويل كلفة الأمن والبيئة، بما يضمن استدامة الممر الملاحي وحماية البيئة البحرية، ونحن في سلطنة عُمان نستلهم من منطق العدل هذا، واعتمادًا على سندنا القانوني: اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، حلولًا تتوافق مع القانون الدولي، مثلما جاء ذكره أعلاه.
اقتراح الحل العُماني: إنشاء مركز مضيق هرمز لخدمات البحار، يقوم على سيادة كاملة، كمركز حكومي سيادي يكون القرار الأمني والتشغيلي والمالي فيه في مسقط، بلا مجالس إدارة أجنبية، ومن دون تمويل أحادي متحكم.
والمركز، بالتأكيد، سيكون مفتوحًا للتنسيق الفني العملياتي مع الجانب الإيراني في حالات الإنقاذ ومكافحة التلوث البحري فقط، ووفق المعايير الدولية للمنظمة البحرية الدولية (IMO)، ودون أي تبعات مالية متداخلة أو سيادية.
فينشر المركز لوائحه، وأسعاره، وقوانينه بشفافية كاملة عبر موقع إلكتروني مستقل. وتتعامل السفينة القادمة من أي ميناء في العالم حصريًا مع المركز العُماني عبر القنوات الرسمية، تمامًا كما تتعامل السفن مع هيئة قناة السويس، وتبقى القاعدة الذهبية مصانة: المركز لا يبيع مرورًا، بل يقدم جميع الخدمات البحرية التي تطلبها السفن بإرادتها الحرة، وفق "بروتوكول الخدمات" الموحد والمنشور على موقع المركز قبل تطبيقه بمدة كافية، حتى تعرف كل سفينة كلفة الخدمة قبل طلبها، وبأسعار لا تميز بين سفينة وأخرى، ولا بين علم دولة وأخرى.
ويعتمد المركز مبادئ الأداء المؤسسي الحديث: تقديم خدمة عالية الجودة، في أقل زمن ممكن، وبأقل كلفة ممكنة، وتشمل الخدمات: الإرشاد البحري للناقلات ذات الغاطس الكبير، والإنقاذ والاستجابة للتلوث عند الطلب، وخدمات الموانئ، والتموين، والتخلص من النفايات، والصيانة، وغيرها مما تحتاجه السفينة أثناء عبورها، كل خدمة لها تكلفتها، مقارنةً بالأسعار العالمية للخدمات.
أما العبور بلا طلب خدمة، فيبقى مجانيًا ومكفولًا، تطبيقًا حرفيًا للمادة (26)، ولقطع أي شك في طوعية الاختيار، يعتمد المركز أثرًا رقميًا موثقًا بالكامل: رسالة من السفينة عبر نظام التعريف الآلي (AIS) قبل دخول الممر الضيق، وتسجيلًا صوتيًا لجميع المحادثات على قناة (VHF)، وإشعارًا إلكترونيًا فوريًا من موقع المركز. فكل شيء موثق لإثبات أن الخدمة تمت بطلب حر من الربان.
وفي الختام، يجيب بروتوكول مسقط على السؤال الأخلاقي الأهم: من يتحمل كلفة تنظيف بقعة نفطية تمتد عشرات الأميال إذا جنحت ناقلة وطلبت المساعدة؟ الإجابة: المستفيد من الخدمة فقط.
وقد قالها معاليه: "العبور مجاني"، ونص القانون يقرر: "الخدمة بمقابل"، والواقع يفرض: "الملوث يدفع"، وأكدت التجربة العالمية: "هذا هو العدل".
فلا يغير بروتوكول مسقط شيئًا من حق المرور، إنه فقط يضمن أن من يلوث أو يستفيد من خدمة السلامة يساهم في تكلفتها، وأن السيادة العُمانية تبقى خطًا أحمر.
فالمضيق مفتوح للجميع مجانًا، والفاتورة للخدمة فقط، وبإرادة الكابتن، وسيادتنا مصانة، وممرنا مفتوح، وأمننا مستدام بمساهمة الجميع.
وختامًا... فإن ما ورد أعلاه رؤية مقترحة للتعامل مع التحديات الواقعية الحالية، مستندة إلى القانون الدولي وتجارب الدول الشقيقة.
وبالتأكيد، فالقرار الأول والأخير في هذا الشأن هو للحكومة، التي تملك الحكمة والرؤية لما تراه مناسبًا لمصلحة الوطن وسيادته وأمنه. والله ولي التوفيق، والحمد لله.
