خطوات نحو إصلاح التعليم العام (1)

 

 

 

 

◄ إعادة هندسة التعليم المدرسي عبر مسارات في ضوء رؤية "عُمان 2040"

 

علي بن حبيب اللواتي

 

رغم التعديلات المتكررة التي طرأت على النظام التعليمي خلال العقود الماضية، إلا أننا ما زلنا نواجه تحديًا جوهريًا: مخرجات الـ12 سنة من التعليم لا تعكس بالضرورة قدرات الطلبة ولا تلبي تطلعاتهم المستقبلية. فكثير من خريجينا يجدون أنفسهم بعد التخرج خارج التخصص الذي يرغبون به، أو يفتقرون إلى المهارات اللازمة لمواصلة تعليمهم بنجاح، أو حتى الحصول على وظيفة بسرعة.

وهؤلاء الطلبة الأعزاء هم "موارد بشرية وطنية" كان يمكن إعدادها بطرق أفضل لتكون قوى بشرية قادرة على مواصلة تعليمها التخصصي بكفاءة أعلى، أو أن تنخرط في سوق العمل بسهولة في هذه المرحلة المبكرة إذا لم تسعفها فرص البعثات الداخلية والخارجية. علمًا بأن هذا التحدي يتكرر سنويًا مع كل دفعة تخرج، مما يعلن عن ضياع مؤثر لموارد وطنية لم تؤهل للمرحلة التالية بنجاح.

واستمرار استيراد الكفاءات وتوسع البطالة يمثل استنزافًا للمال العام وجهود الدولة. بينما كل ريال نستثمره في توجيه الطالب للتخصص الصحيح من البداية سيعود على الاقتصاد الوطني أضعافًا، من خلال رفع الإنتاجية والكفاءة وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة في القطاعات الفنية والمهنية والتقنية.

وانطلاقًا من تلك الحقائق، وفي إطار محور "الإنسان والمجتمع" من رؤية عُمان 2040، نطرح هذا المقترح لإعادة هندسة المرحلة المدرسية.

أولًا: نظام متعدد المسارات في التعليم المدرسي

1. تشخيص المشكلة 

القصور في النظام الحالي أنه يعتمد على مسار واحد موحد طوال 12 عامًا. هذا المسار لا يأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية، فيجمع بين صاحب الميول العلمية والعملية والتقنية والمهارات الفنية في فصل واحد ومنهج واحد. 

والنتيجة: ضغوط نفسية، تراجع دافعية الطلبة، ومخرجات لا تتوافق مع احتياجات سوق العمل الفعلي.

ومن تجارب دول العالم: فنلندا بدأت التخصص من الصف 9، وسنغافورة لديها 4 مسارات، والإمارات طبقت "مسار النخبة" في 2023. والنتيجة كانت انخفاض نسبة التسرب الجامعي بشكل كبير. فنحن لا نخترع العجلة من جديد، بل نلحق بالركب ونستفيد من تجاربهم.

2. المقترح: استحداث 5 مسارات دراسية من الصف العاشر إلى الثاني عشر

خلال الثلاث سنوات يختار الطالب من البداية المسار المتوافق مع ميوله وقدراته ويتعمق فيه نظريًا وتطبيقيًا:

أ. المسار المهني: لتنمية المهارات الصناعية والزراعية والخدمية والفندقية. يربط الطالب مباشرة بسوق العمل ويؤهله للكليات والمعاهد التقنية. 

ب. المسار العلمي (أحياء وجيولوجيا): للعلوم الحياتية والطبية والبيئية والزراعية، ويؤهله لكليات الطب والصيدلة والعلوم. 

ج. المسار العلمي (رياضيات وفيزياء): للرياضيات والفيزياء والهندسة، وهو البوابة لكليات الهندسة والطاقة والطيران. 

د. مسار الأعمال والقانون: للاقتصاد والمحاسبة والإدارة والقانون، ويعد الطلبة لكليات التجارة والاقتصاد. 

هـ. مسار تقنية المعلومات: للبرمجة والشبكات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وهو مسار المستقبل في ظل التحول الرقمي والمطلب الوطني.

3. إجراءات داعمة لنجاح نظام المسارات 

1. الربط مع سوق العمل: إيجاد شراكات بين المدارس والشركات والمصانع، وتوفير تدريب ميداني لا يقل عن 3 أشهر لطلبة المسار المهني والتقني. 

2. استحداث التوجيه المهني المبكر: تفعيل دور المرشد المهني من الصف الثامن لمساعدة الطالب وتقديم المشورة لولي الأمر. 

3. تغيير النظرة المجتمعية: تدشين حملات وطنية تؤكد أن المسار المهني ليس خيارًا ثانويًا؛ بل ركيزة وطنية لمستقبل الوطن الصناعي. 

4. المشروع التطبيقي شرط تخرج: يعتمد التخرج على تقديم منتج صناعي، تطبيق برمجي، أو دراسة جدوى. بهذا ننتقل من "حفظ المواد" إلى "الإنتاج الفعلي". 

5. نظام المعلم الموجه: تخصيص معلم مساعد لكل 15 طالبًا يتابعهم أكاديميًا ونفسيًا ومهنيًا لمدة 3 سنوات، مع انتقال الملف مع الطالب. 

6. تأهيل المعلمين: برنامج تدريب مكثف لمدة شهرين لمعلمي الدفعة الأولى في 11 مدرسة، بواقع مدرسة في كل محافظة. 

7. مؤشرات قياس النجاح: وضع مؤشرات وطنية واضحة وقياسها سنويًا. منها: تخفيض نسبة تغيير التخصص الجامعي، ورفع نسبة توظيف خريجي المسار المهني والتقني خلال سنة من التخرج.

إنَّ الاستثمار في تنوع المسارات المدرسية هو الاستثمار الحقيقي في رأس المال البشري. فبدل أن نخرج كل عام دفعة موحدة غير جاهزة، سنخرج أجيالًا متخصصة تعرف طريقها من الصف العاشر. 

والسؤال الآن: هل نستمر بمسار واحد يهدر الطاقات، أم نعطي كل طالب مساره الذي يستحقه؟

الأكثر قراءة

z