فايزة سويلم الكلبانية
في صلالة، وبين أجواء خريف ظفار، لم يكن تنظيم الكونجرس الدولي للمسؤولية المجتمعية والاستدامة 2026 مجرد فعالية تُضاف إلى أجندة المُؤتمرات، بل كان رحلة بدأت بفكرة، وتحولت إلى مشروع، وانتهت برسالة نأمل أن يمتد أثرها إلى ما بعد انتهاء أيام الكونجرس.
ومن واقع إشرافي على أعمال الكونجرس منذ مرحلة الفكرة والإعداد وحتى التنفيذ، عايشت عن قُرب تفاصيل هذه الرحلة؛ من بناء الفكرة واختيار محاورها، إلى تنسيق المشاركات والأوراق والجلسات، وصولًا إلى لحظة انعقاد الكونجرس ومتابعة مخرجاته. وكان السؤال الذي رافق هذه الرحلة: كيف يُمكن أن ننتقل بالمسؤولية المجتمعية من المبادرات المتفرقة إلى أثر تنموي مُستدام؟
من هنا جاء عنوان الكونجرس: «المسؤولية المجتمعية في سلطنة عُمان والدول العربية.. نحو مأسسة الأثر التنموي للشركات الذي نظمته صحيفة الرؤية بالشراكة مع الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية، ليضع مفهوم «المأسسة» في قلب النقاش، باعتباره الطريق نحو مسؤولية مجتمعية أكثر نضجًا وتأثيرًا.
وخلال أعمال الكونجرس اجتمع مسؤولون وخبراء وممثلون عن القطاعين العام والخاص، وناقشوا من خلال الأوراق والجلسات قضايا الاستثمار الاجتماعي، والاستدامة، والحوكمة، والشراكات، وقياس الأثر، إلى جانب استعراض تجارب وممارسات تعزز حضور المسؤولية المجتمعية داخل المؤسسات. وأثناء مراحل الإعداد والتنظيم، كان واضحًا أنَّ نجاح الكونجرس لا يقاس فقط بعدد الحضور أو الأوراق المقدمة، وإنما بقدرته على إنتاج فكرة قابلة للاستمرار، وتحويل النقاش إلى ممارسة. وهنا برزت الرسالة الأهم: المسؤولية المجتمعية ليست في عدد المبادرات التي تنفذها الشركة، وإنما في حجم الأثر الذي تتركه؛ فمأسسة المسؤولية المجتمعية تعني أن تنتقل الشركة من التعامل معها كنشاط موسمي أو استجابة ظرفية، إلى جعلها جزءًا من استراتيجيتها وسياساتها وقراراتها وعملياتها، بأهداف واضحة ومؤشرات تقيس الأداء والأثر.
وعندها يتغير السؤال من: «كم أنفقنا؟» إلى: «ماذا حققنا؟ ومن استفاد؟ وما الذي سيستمر بعد انتهاء المُبادرة؟»
ومن المحطات المهمة في الكونجرس إطلاق «الدليل العربي الاسترشادي لمأسسة المسؤولية المجتمعية»، الذي يقدم إطارًا يُساعد المؤسسات على الانتقال من الممارسات المتفرقة إلى منظومة أكثر تكاملًا، تقوم على التخطيط والتنفيذ والقياس والإفصاح والتحسين المستمر.
كما حمل الكونجرس رسالة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في ضرورة تعزيز الشراكة بين القطاع الخاص والمجتمع، وربط الاستثمار الاجتماعي بالأولويات الوطنية والتنموية، بما ينسجم مع توجهات رؤية عُمان 2040 نحو اقتصاد أكثر استدامة ومجتمع أكثر مشاركة.
وبالنسبة لي، كانت تجربة الإشراف على الكونجرس تأكيدًا على أن تنظيم الفعاليات المؤثرة لا ينتهي بإسدال الستار عليها؛ بل يبدأ أثرها الحقيقي عندما تتحول مخرجاتها إلى أفكار وممارسات وشراكات تستمر. لقد أكد الكونجرس أن المسؤولية المجتمعية لم تعد ترفًا مؤسسيًا، ولا بندًا يُستحضر في المناسبات، بل أصبحت استثمارًا في الثقة والتنمية والاستدامة؛ فنجاح الشركة اليوم لا يقاس فقط بما تحققه من أرباح، وإنما بما تضيفه إلى المجتمع والبيئة، وبقدرتها على خلق قيمة مشتركة تستمر.
وربما تختصر رحلة الكونجرس كلها في سؤال واحد: لماذا نفعل؟ فالمسؤولية المجتمعية الحقيقية تبدأ حين تتوقف الشركة عن سؤال: «ماذا قدمنا؟»، وتبدأ بسؤال: «ماذا غيّرنا؟» وهنا تكمن الرسالة التي حملها الكونجرس من صلالة:
من المبادرة إلى المأسسة، ومن الإنفاق إلى الاستثمار، ومن النشاط إلى الأثر، تبدأ المسؤولية المجتمعية التي تصنع مستقبلًا أكثر استدامة.
