دبلوماسية عُمان الاقتصادية

 

 

 

فايزة بنت سويلم الكلبانية

faizaalkalbani1@gmail.com

 

 

تتقدم سلطنة عُمان بخطى واثقة نحو العالم، وتعيد صياغة حضورها الخارجي بما يواكب التحولات الاقتصادية المتسارعة، دون أن تتخلى عن ثوابتها الراسخة في بناء جسور السلام والحوار، وفي عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- باتت الدبلوماسية العُمانية تتحرك في فضاء أوسع، تتقاطع فيه السياسة مع الاقتصاد، وتتحول الزيارات واللقاءات إلى منصات لفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار والتجارة والشراكات الدولية.

ويمضي مولاي المعظم- أيده الله- على النهج الراسخ الذي أرساه المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور- طيب الله ثراه- في بناء علاقات متوازنة وراسخة مع مختلف دول العالم، مع تعزيز البعد الاقتصادي لهذه العلاقات، بما يتناغم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 وتنويع الاقتصاد واستقطاب الاستثمارات وتعزيز حضور القطاع الخاص العُماني في الأسواق الخارجية.

وخلال السنوات الماضية، حملت زيارات جلالة السلطان إلى عدد من الدول رسائل واضحة حول توجه عُمان نحو توسيع شراكاتها الاقتصادية؛ فقد زار الهند في ديسمبر 2023، في زيارة دولة تاريخية هي الأولى لسلطان عُمان إلى الهند منذ أكثر من 25 عامًا، وتركزت المباحثات على مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا وغيرها.

وفي 2024، جاءت زيارتا الإمارات والأردن، ثم زيارة الكويت وتركيا، لتؤكد أن التحرك الدبلوماسي العُماني لا ينحصر في الإطار السياسي، وإنما يفتح مساحات أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري. وفي 2025، اتسعت دائرة التحرك لتشمل الجزائر وروسيا وإسبانيا وبيلاروسيا، بما يعكس سياسة خارجية أكثر انفتاحًا على الأسواق والاقتصادات المختلفة، ويعزز قدرة السلطنة على بناء جسور اقتصادية مع مناطق متعددة من العالم.

وتبرز الزيارة الرسمية الأولى التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى الجمهورية الفرنسية في يونيو 2026، كإحدى أبرز محطات الدبلوماسية الاقتصادية العُمانية؛ إذ شهدت توقيع 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم وإعلان نوايا، شملت الطاقة المتجددة واللوجستيات والموانئ والمياه، إلى جانب شراكات لتمكين الشركات الناشئة العُمانية من التوسع في الأسواق الفرنسية والأوروبية.

ولا تقل أهمية عن هذه الزيارات التي تستقبلها سلطنة عُمان لقادة الدول؛ فمسقط أصبحت محطة للحوار وبحث آفاق التعاون، وفي كل استقبال رفيع المستوى تحضر ملفات الاقتصاد والاستثمار والطاقة واللوجستيات والتجارة إلى جانب القضايا السياسية.

وتأتي زيارة فخامة الرئيس بول كاجامي رئيس جمهورية رواندا، إلى السلطنة مؤخرًا نموذجًا واضحًا لهذه الدبلوماسية المتجهة نحو النتائج؛ إذ شهدت الزيارة اتفاق البلدين على فتح سفارتين مقيمتين، وإنشاء لجنة مشتركة ومجلس أعمال، إلى جانب توقيع اتفاقية لتجنب الازدواج الضريبي وعدد من مذكرات التفاهم في مجالات الاستثمار والزراعة واللوجستيات والعمل والشراكة الاستراتيجية.

وهنا تتضح قيمة الحضور الشخصي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- فحين يلتقي قادة الدول، فإنه لا يعزز العلاقات السياسية فحسب، بل يمنح التعاون الاقتصادي دفعة على أعلى مستوى، ويمهد أمام المؤسسات وصناديق الاستثمار والقطاع الخاص للانتقال من التفاهمات إلى المشاريع.

ويأتي افتتاح مبنى جهاز الأمن الداخلي بمحافظة ظفار ليترجم عمليًا أهمية تعزيز الأمن والاستقرار في دعم التنمية؛ إذ يسهم في ترسيخ بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار، ويدعم النشاط الاقتصادي والسياحي والتجاري في المحافظة، بما يعزز ثقة المستثمرين ويدعم مستهدفات رؤية عُمان 2040.

وفي النهج العُماني، يلتقي الانفتاح الاقتصادي مع سياسة خارجية جعلت من السلام والحوار جسورًا ممتدة نحو العالم؛ فالسياسة الخارجية العُمانية جعلت من الحوار والانفتاح والتوازن أدوات لبناء الثقة مع مختلف دول العالم، وهذه الثقة تمثل رصيدًا مهمًا لعُمان في جذب الاستثمار وتعزيز مكانتها الاقتصادية. وتتجه هذه الحركية الدبلوماسية نحو ترجمة هذا الحضور الدولي إلى مكاسب اقتصادية وتنموية متنامية، من خلال استقطاب الاستثمارات النوعية، وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات العُمانية، وتعزيز فرص القطاع الخاص، ودعم نمو القطاعات غير النفطية، بما يرسخ مكانة عُمان على خارطة الاقتصاد العالمي.

إن ما نشهده اليوم هو انتقال الدبلوماسية العُمانية إلى مساحة أوسع؛ دبلوماسية تحافظ على ثوابتها السياسية، وتستثمر قوة العلاقات في دعم الاقتصاد والتنمية.

ومن مسقط إلى عواصم العالم، يرسم حضرة صاحب الجلالة السلطان المفدى- حفظه الله- مسارًا هادئًا وواثقًا لعُمان، يرتكز على حضور دولي يقوم على السلام، وشراكات تُبنى على الثقة، واقتصاد يتطلع إلى أن يكون أكثر انفتاحًا واتصالًا بالعالم.

الأكثر قراءة

z