عباس الزدجالي
بدايةً، أتقدم بالشكر للدكتور حيدر بن عبد الرضا اللواتي على مقاله «تحديات مشاريع الاستزراع السمكي»، المنشور في جريدة الرؤية بتاريخ 16 أغسطس 2026؛ فقد أعاد تسليط الضوء على قضايا مهمة في هذا القطاع الواعد، واستوقفتني بصورة خاصة إشارتان: صناعة الأعلاف السمكية ومصانع الهرس المرتبطة بها، وقضية التعمين وتوفير فرص العمل للعُمانيين. أما الأولى فقد سبق أن تناولتها في مقال بعنوان «استنزاف ذهب عُمان الأزرق»، فيما أعترف بأن قضية التعمين جانب مهم فاتني التوقف عنده رغم أهميته.
ولا خلاف على أهمية الاستزراع السمكي في تعزيز الأمن الغذائي وتنويع الاقتصاد. لكن الحديث عن توطين صناعة الأعلاف يطرح سؤالًا جوهريًا: من أين ستأتي المادة الخام لهذه الأعلاف؟
فإذا كانت من مخلفات تصنيع الأسماك وبقايا التعليب والتقطيع، إلى جانب الطحالب والبروتينات النباتية والبديلة، فنحن أمام اقتصاد دائري وقيمة مضافة تستحق التشجيع. أما إذا كان التوسع يعني زيادة صيد السردين «العومة» وغيرها من الأسماك السطحية الصغيرة السليمة، ثم هرسها لإنتاج مسحوق وزيت السمك، فإن المعادلة تستوجب مراجعة دقيقة.

لفت انتباهي في هذا السياق مقال للكاتب بول جرينبرغ نشرته صحيفة The Guardian بعنوان "Fool’s Gold: What Fish Oil Is Doing to Our Health and the Planet"، تناول فيه ما يعرف عالميًا بـ Reduction Industry؛ أي الصناعة التي «تختزل» الأسماك الكاملة إلى مسحوق وزيت يدخلان في أعلاف الاستزراع السمكي والحيوانات وأغذية الحيوانات الأليفة والمكملات الغذائية وأوميغا-3.
ووفق الأرقام التي أوردها المقال وقت نشره عام 2018، كانت هذه الصناعة تستوعب عالميًا نحو 20 إلى 25 مليون طن من الكائنات البحرية سنويًا. ويستعرض الكاتب كيف تحولت الأنشوجة والسردين والرنجة وغيرها من الأسماك الصغيرة، عبر مراحل تاريخية مختلفة، إلى مادة خام للأسمدة والأعلاف وأغذية الحيوانات الأليفة، ثم الاستزراع السمكي والمكملات الغذائية.
وهذه القضية ليست بعيدة عن واقعنا؛ فقد توسعت صناعة مسحوق وزيت السمك في السلطنة، ويمكن توثيق 7 منشآت على الأقل مرتبطة بهذا النشاط في الدقم وصور وصلالة ومحوت، وقد يكون العدد الفعلي أكبر في غياب قائمة رسمية حديثة منشورة تضم جميع المصانع العاملة وطاقاتها الفعلية.
وتصبح المسألة أكثر وضوحًا عندما نعرف أن إنتاج طن واحد من مسحوق السمك يحتاج في المتوسط إلى نحو 4.4 أطنان من السمك الخام، وقد تقترب الكمية من خمسة أطنان بحسب النوع ومحتواه من الماء والزيت.
وهنا لا ينبغي أن نحسب «القيمة المضافة» عند باب المصنع فقط؛ فأربعة أو خمسة أطنان من السردين ليست مجرد مادة خام، وإنما غذاء للإنسان، وطُعم يعتمد عليه الصياد الحرفي، وغذاء لأسماك أكبر، وحلقة مهمة في الشبكة الغذائية البحرية.
وقد ارتفع إنزال الأسماك السطحية الصغيرة في السلطنة من نحو 70697 طنًا عام 2012 إلى 530022 طنًا عام 2020، ثم بلغ نحو 564708 أطنان في 2021. ولا يصح تحميل مصانع الهرس وحدها مسؤولية هذه الزيادة، لكن تصريحات رسمية سابقة ربطت زيادة عدد مصانع مسحوق وزيت السمك بزيادة إقبال الصيادين على صيد السردين وتسويقه إليها.
ويقدم مقال The Guardian مثالًا لافتًا من بيرو؛ حيث تحولت الأنشوجة إلى أساس واحدة من أكبر صناعات مسحوق وزيت السمك في العالم، وكان أكثر من 95% من المصيد، وفق ما أورده المقال آنذاك، يتجه إلى صناعة الاختزال بدل الاستهلاك البشري المباشر.
وهنا يحق لنا أن نسأل: هل نريد للسردين العُماني أن يسلك الطريق نفسه؟
فالسردين من أهم أسماك العلف (Forage Fish) التي تعتمد عليها أنواع تجارية ومفترسات بحرية وطيور وثدييات بحرية، فضلًا عن أهميته للصياد الحرفي. وعندما ينافس المصنع الصياد على المورد نفسه، تصبح المنافسة بين الصيد الحرفي وطلب صناعي واسع النطاق.
النفايات في الهند.. والسردين عندنا!
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل نجدها لدى شركة Mukka Proteins الهندية نفسها، وهي من كبار منتجي مسحوق وزيت السمك ولديها استثمارات صناعية في السلطنة؛ ففي الهند تستثمر الشركة في تقنية أكثر استدامة من خلال FABBCO Bio Cycle and Bio Protein Technology في كوتشي بولاية كيرالا، حيث تستخدم يرقات ذبابة الجندي الأسود (Hermetia illucens) لتحويل النفايات العضوية والرطبة ومخلفات الطعام إلى بروتين وزيت حشريين يمكن استخدامهما في أعلاف الاستزراع السمكي والدواجن والحيوانات الأليفة، بينما تتحول البقايا إلى سماد.
والأرقام التي تنشرها الشركة نفسها لافتة؛ فقد عالج نشاطها في تقنية ذبابة الجندي الأسود 21995 طنًا من النفايات الرطبة خلال عام مالي واحد، وحولها إلى نحو 336 طنًا من مسحوق الحشرات و144 طنًا من الزيت. والشركة تصف هذا التوجه باعتباره جزءًا من حلولها للاستدامة والاقتصاد الدائري وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية للبروتين.
وهنا تبرز المفارقة: لماذا نستثمر في الهند في تحويل النفايات ومخلفات الطعام إلى بروتين مستدام للأعلاف، بينما تظل الأسماك السطحية الطازجة مادة خام لصناعة مسحوق وزيت السمك المرتبطة باستثمارات الشركة في عُمان؟
ولا يتعلق السؤال بانتقاد شركة بعينها؛ فمن الطبيعي أن يبحث المستثمر عن المادة الخام المتاحة والمسموح باستخدامها في كل سوق، والمسؤولية في النهاية تقع على السياسات المنظمة للمورد. لكن تجربة المستثمر نفسه تثبت أن البديل التقني موجود ومجرب، إلى درجة أنه يضع أمواله فيه.
فإذا كانت مخلفات الطعام والنفايات العضوية في كيرالا تستطيع أن تصبح غذاءً للأسماك، فلماذا لا تتحول مخلفات الطعام ومخلفات مصانع الأسماك في عُمان إلى مادة خام للأعلاف، بدل تحويل السمك إلى علف؟
وهنا تحديدًا يمكن أن يصبح توطين صناعة الأعلاف الذي أشار إليه الدكتور حيدر فرصة حقيقية: نحوّل النفايات إلى علف بدل أن نحوّل «ذهب عُمان الأزرق» إلى علف.
ولا يقتصر الأمر على الأعلاف؛ فجزء من زيوت الأسماك يدخل كذلك في أغذية الحيوانات الأليفة والمكملات الغذائية وأوميغا-3. وقد أشار مقال The Guardian إلى مراجعة علمية كبيرة لـCochrane شملت آنذاك 79 تجربة وأكثر من 112 ألف شخص، ووجدت أن زيادة تناول مكملات أوميغا-3 أحدثت فرقًا ضئيلًا أو معدومًا في عدد من النتائج المتعلقة بأمراض القلب والسكتات.
ولا يعني ذلك أن أوميغا-3 بلا فوائد صحية، وإنما يعيدنا إلى السؤال البيئي: هل من المنطقي إخراج الأسماك الكاملة من البحر وتحويلها إلى مسحوق وزيوت وكبسولات بينما توجد بدائل أخرى؟
واللافت أن التشريع العُماني يوفر أدوات الحماية بالفعل؛ فاللائحة التنظيمية لتصنيع مسحوق وزيت السمك الصادرة بالقرار الوزاري 272/2023، تمنح الجهة المختصة صلاحية تحديد عدد التراخيص والطاقات الاستيعابية وأنواع وكميات الأسماك المستخدمة، ووقف العمل موسميًا، وحظر أنواع معينة إذا اقتضت استدامة الموارد ذلك. وكانت الوزارة قد أوقفت في 2021 استقبال تراخيص جديدة والتوسع في طاقات المصانع القائمة.
إذن.. المطلوب ليس تشريعًا جديدًا بقدر ما هو تطبيق صارم وربط الكميات المسموح بهرسها بتقييمات المخزون، ونشر بيانات سنوية عن أنواع وكميات الأسماك التي تدخل هذه المصانع ووجهة منتجاتها.
أما القضية الثانية التي أثارها الدكتور حيدر، وهي التعمين، فلا تقل أهمية، وأعترف بأنها فاتتني في تناولي السابق. فما جدوى توسع الاستزراع السمكي والاستثمارات والمصانع إذا لم ينعكس ذلك في وظائف نوعية ومستدامة للعُمانيين؟
والمطلوب ألا يقتصر التعمين على الوظائف الإدارية، بل يمتد إلى المفاقس والمزارع والمختبرات وصحة الأسماك والتغذية وصناعة الأعلاف والتسويق والإدارة الفنية والبحث العلمي.
وبذلك ينبغي ألا نقيس نجاح الاستزراع السمكي بعدد الأطنان وحده، وإنما بثلاثة أسئلة: كم ننتج؟ وما الذي نستهلكه من ثروتنا الطبيعية لإنتاجه؟ وكم وظيفة وخبرة حقيقية يتركها الاستثمار للمواطن؟
لقد أطلقنا على السردين «ذهب عُمان الأزرق»، بينما اختار بول جرينبرغ لصناعة زيت السمك تعبير “Fool’s Gold” أو «الذهب الزائف». وبين الذهبين تكمن مسؤوليتنا؛ فالقيمة المضافة الحقيقية ليست أن نصطاد أربعة أو خمسة أطنان من «ذهب عُمان الأزرق» لنحصل على طن من المسحوق، ولا أن نحول السمكة الكاملة إلى علف أو كبسولة، وإنما أن نستخرج أعلى قيمة اقتصادية وغذائية واجتماعية منها من دون تبديد الأصل الذي ينتج هذه القيمة: البحر ومخزونه الحي.
فلا ينبغي أن نبني ثروة سمكية مستزرعة على حساب ثروتنا السمكية الطبيعية، ولا صناعة وطنية دون أن يكون للمواطن نصيب حقيقي ومستدام فيها.
-----------------------------------------
** صورة معبرة تعكس سعادة صياد عُماني من ولاية طاقة يشارك في نقل أسماك السردين «العومة» من إحدى «الضغاوي»، بعدسة المصور المعروف عبدالله الشحي من كتابه «Oman: Living Traditions».
