عُمان.. ممر للسلام الدولي

 

 

 

محمد بن رامس الرواس

 

​ من حق أي دولة في العالم أن تختلف مع السياسة العُمانية؛ فهذا أمر وارد، لكن ثمة حق أصيل لسلطنة عُمان أن تتمسك بمصالحها وسيادتها ورؤيتها.. واليوم يؤدي وطننا الحبيب دور الوساطة لحل أكبر عقدة سياسية بالعالم حاليًا- وهي أزمة مضيق هرمز- وتعمل على صياغة اتفاق مع إيران للتوصل لحل مشترك ينتصر للأمن والسلام الدوليين.

عُمان بصفتها الوسيط المُتفَق عليه من المجتمع الدولي لا تقف في طريق إحلال السلام بالمنطقة، بل هي دولة تحاول فتح طريق للسلام عندما تغلقه الأزمات الكبرى، ولا تتحدث مع أي طرف لحساب جهة أخرى، بل لصالح أهداف سلمية تجنب المنطقة توترات فوق ما هو حاصل الآن من توترات وأزمات، ولأنها تؤمن بأن التواصل مع الدول التي بينها خلاف هو الذي يمنع المنطقة من الانزلاق إلى ما هو أخطر، مستندةً في ذلك إلى قوتها وخبرتها وحكمتها الدبلوماسية وثبات مواقفها، فالسلطنة ليس من حكمتها أن ترد على الكلام القاسي بكلام أقسى منه؛ فالسمت العُماني معروف بهدوئه ورزانته البالغة التي لا تنازل فيها عن السيادة ومبادئ الحق والسلام.

والدول الداعمة للسلام تنتظر بفارغ الصبر المفاوضات الفنية الهادئة والدؤوبة بين مسقط وطهران التي وصلت إلى مراحلها الأخيرة، وتعلِّق على نتائجها آمالًا كبيرة لإنجاز تاريخي يوشك الإعلان عنه والتوصل رسميًا إلى اتفاق نهائي يضبط حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز. هذا الاتفاق لم يعد مجرد مسودة تحت المراجعة، بل أصبح حقيقة واقعة بعد اجتياز كافة الاختبارات الفنية، والقانونية، والأمنية، والبيئية، ليضع خطوطًا واضحة وإحداثيات جغرافية دقيقة تضمن سلامة عبور السفن في الشريان الأحيائي الأهم لتجارة الطاقة العالمية.

والتوصل إلى مسار آمن ومعتمد لعبور السفن في مضيق هرمز يمثل مصلحة دولية كبرى؛ إذ يمر عبر هذا الممر المائي الحيوي ما يزيد على 20 بالمئة من إنتاج النفط العالمي بخلاف ناقلات الغاز والسفن التجارية. ومن خلال رعاية هذا التوافق، ستتجنب الملاحة الدولية شبح التوتر الدائم وتمنح الاقتصاد العالمي طوق نجاة في توقيت بالغ الدقة؛ حيث إن لغة العقل والمصالح المشتركة قادرة دومًا على اختراق المفاوضات الصعبة.

وختامًا.. ستظل سلطنة عُمان بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- دولة قرارها بيدها، تمد يدها بالسلام لجيرانها وحلفائها من أجل ترسيخ مبادئ العدالة وركائز الأمن الدولي، وهي بالتالي تحفظ سيادتها ولا تتدخل إلّا عندما يُطلب منها ذلك، وتؤمن بأن الدول تُحترَم من خلال إيمانها بالحوار وبلغة القانون، وهي لا تقف في طريق السلام؛ بل كانت ولا تزال طريقًا إليه.

وما يجري بين مسقط وطهران هو تسوية تقنية لإحداثيات بحرية، تمتد لتكون نموذجًا حيًا لما يمكن أن تحققه الدبلوماسية الهادئة إذا توفَّرت الإرادة والثقة المتبادلة؛ فلقد فكَّكت الدبلوماسية العُمانية العقدة، ووضعت الحل على الطاولة، مانحةً العالم درسًا بليغًا في كيفية تحويل مياه المواجهة المحتملة إلى ممر للسلام والتعاون المُستدام.

 

الأكثر قراءة

z