محمد رامس الرواس
ارتفعت أصوات الحق عالية وبصورة ملفتة هذه المرة بمنصة الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الواحدة والثمانين، وما ذلك إلا إنه بلغ السيلُ الزُّبى فلقد تجاوز الأمر حده، والمثل هذا يقال للدلالة على أن الانتهاكات التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء وتخطت حدود القدرة على الاحتمال مثل الجرائم الإنسانية والإبادة الجماعية وقتل الأطفال وخرق القوانين الدولية وعدم الالتزام بها.
لقد كانت كلمات بعض الرؤساء قوية جدًا وكشفت عورات النظام الدولي ومكامن عجزه في ردع إسرائيل، وارتفعت الأصوات لتسجل المواقف من منصة الأمم المتحدة، ولقد جاءت كلمات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين مدوية ولتضع النقاط على الحروف، وتعري الحقيقة المرة التي تتغاضى عنها القوى الكبرى في مقولته المشهورة: «عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، تبقى القرارات حيث بدأت: حبرًا على ورق».
إن هذه العبارة للملك عبدالله لم تكن مجرد توصيف عابر لحالة الجمود الدبلوماسي، بل كانت تشريحًا دقيقًا لمرض مزمن يعاني منه النظام الدولي؛ نظام يمتلك أدوات الردع كافة من عقوبات، وتجميد أصول، وحظر، وعزل دبلوماسي، لكنه يصاب بالعمى والخرس متى تعلق الأمر بمساءلة إسرائيل وعقابها على جرائمها وتجاوزاتها المستمرة. لقد أفرز هذا التقاعس المتعمد "دولة بلا رادع" تتصرف وكأنها فوق القوانين والأعراف الدولية، متجاوزة حدود فلسطين المحتلة لتشكل أطماعها التوسعية تهديدًا حقيقيًا لكل استقرار المنطقة، كما هو الحال في مشاهد التوغلات والانتهاكات المتكررة التي تشهدها سوريا اليوم كإنذار مبكر يصر العالم على تجاهله.
كلمة الملك عبدالله كان صوتا رصينا وصريحا وواضحا للمجتمع الدولي ويتكامل مع مواقف قوية ومبدئية لزعماء وقادة آخرين، كرَّسوا في محافل الأمم المتحدة والإقليم رؤيةً عربية وإسلامية ترفض الاستسلام لمنطق الأمر الواقع الإسرائيلي. فقد صدحت كلمات القادة والزعماء بالدعوة الصادقة لرفض هذا الاستهتار الدولي، وتأكيد حتمية ردع هذه الغطرسة وعزلها دوليًا؛ إذ لا يُمكن للإنسانية أن تستمر في غض الطرف عن حكومة يمينية متطرفة ترى في الإفلات من العقاب قاعدة ثابتة لا تقبل النقاش.
إنَّ الكلمات البليغة والخطب الحماسية، على أهميتها في حفظ الحقوق وإبقاء القضية حيَّة في وجدان الأحرار، لم تعد وحدها كافية، لقد حان الوقت لكي يتحول "الحبر على ورق" إلى أفعال حقيقية وملموسة تنهي عهد الحصانة المطلقة لدولة إسرائيل.
الشعوب الحرة لم تعد تخدعها محاولات تشتيت الانتباه أو تصوير الصراع بغير حقيقته المجردة؛ فهو ليس صراع أديان، بل هو صراع بقاء وعدالة، وحق أصيل في تقرير المصير والكرامة الإنسانية، وإذا لم يستيقظ الضمير العالمي ليفرض سلطة القانون بحزم وعدل، فإن دوامة الفوضى والتهديدات لن تقتصر جغرافيتها على فلسطين ولبنان وسوريا فقط؛ بل ستطال أركان الإقليم بأسره، لقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن يثبت أن مؤسساته تمتلك الشرعية والفعالية حقًا، وإلّا فإنَّ التاريخ لن يرحم من اختاروا السكوت والتجاهل أمام هذا الظلم.
