د. حامد بن عبدالله البلوشي **
في عالم أثقلته النزاعات، وتنازعته الأزمات، وتكاثرت فيه أصوات الخوف والقلق، وازدادت فيه نبرة التشاؤم؛ يأتي يوم الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام (ذكرى اليوم العالمي للسلام) لتتذكر البشرية جمعاء حقيقة تبدو بسيطة في كلماتها، عظيمة في معناها؛ أن السلام ليس حلمًا بعيد المنال، أو سرابا بقيعة يحسبه الظمآن ماء، بل مسؤولية تبدأ من الفرد، وتكبر داخل المجتمع، وتترسخ بإرادة الدول.
فالسلام ليس مجرد صمتٍ يسود بعد انطلاق الرصاص، واستعار الحروب، ولا هو غياب أنباء المعارك والقتال عن شاشات التلفاز، وليس معاهدات تكتب بمداد كاذب، لا يؤيده واقع مرير، وخروقات دائمة، وإنما هو أن يستيقظ الإنسان آمنا في سربه، ويمضي إلى عمله مطمئنا على نفسه وأهله وأحبابه، ويرسل أبناءه إلى مدارسهم دون خوف أو قلق، ويحلم بمستقبل لا تهدده الفوضى. السلام هو أن يشعر الإنسان بأن كرامته مصونة، وحقوقه محفوظة، وصوته مسموع، وأن اختلافه مع الآخرين لا يجعله عدوا لهم، أو مهددا بسطوتهم ونفوذهم.
ومن هنا، فإن السلام الحقيقي لا يعني غياب الصراع فحسب، واختفاء صوت القنابل والمتفجرات، بل يعني حضور العدل، والأمن، والتسامح، والحوار، واحترام الآخر. وحين يسكن السلام المجتمعات، تزدهر التنمية، وتتحرك عجلة الاقتصاد، وتنمو الثقافة، وتتقدم العلوم، وتجد الأجيال الجديدة مساحة أوسع للحلم والإبداع. أما حين يغيب السلام، فإن الحروب لا تهدم المدن الآمنة وحدها، أو تقتل الأرواح البريئة فقط، أو تمحو العمران، بل إنها تهدم معها الإنسان، وتقضي على التعليم، وينهار بسببها الاقتصاد، ويزول الأمل، ويعشش الخراب.
ولهذا فإن السلام ليس قيمة أخلاقية فحسب، وإنما هو استثمار في الإنسان وفي المستقبل.
يأتي اليوم العالمي للسلام هذا العام تحت شعار: "استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، وكل يوم"، وهي رسالة تتجاوز مجرد الاحتفال الرمزي بيوم واحد، لتؤكد أن السلام لا يبنى في لحظة، ولا يُحفظ بالكلمات وحدها، وإنما يحتاج إلى عمل مستمر، وإرادة صادقة، واستثمار طويل الأمد. وتؤكد الأمم المتحدة أن السلام يتجاوز غياب الحرب، ليشمل الأمن والكرامة والفرص والتعاون في حياة الناس اليومية.
فالسلام كما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش "لا يُصنع على موائد المؤتمرات وحدها، بل يُصنع كذلك في الفصول الدراسية والأحياء السكنية، وفي كل مكان يلتقي فيه الناس بعقول وقلوب منفتحة. ومعا، يومًا بعد يوم، نستطيع أن نبني عالما أكثر عدلا، يسوده التعاطف ويقوم على المساواة والكرامة للجميع".
إن الاستثمار في السلام مفهوم شامل؛ يعني أن نستثمر في التعليم الذي يفتح العقول بدل أن يغلقها، وفي التنمية التي تمنح الإنسان فرصة حياة كريمة، وفي العدالة التي تعالج جذور الشعور بالظلم، وفي الحوار الذي يفتح الأبواب حين تغلقها الخصومة.
ويعني كذلك تمكين المجتمعات المحلية، ودعم صناع السلام، وإيجاد بيئات آمنة يستطيع فيها الإنسان أن يعيش بكرامة واستقرار. فالسلام لا يصنع دائما خلف طاولات المفاوضات الكبرى؛ ووراء أبواب مغلقة يسودها التوتر، بل تصنعه أيضا أسرة تعلّم أبناءها فضيلة التسامح، ومعلم يغرس في طلابه احترام الاختلاف، وشاب يختار الحوار الهادئ بدل الكراهية والصوت المرتفع، وإعلامي يطفئ فتيل الفتنة بدلا من أن يشعله ويسعر ناره.
إن السلام، بهذا المعنى، ليس حدثا طارئا يقع مرة واحدة، وإنما ثقافة تبنى كل يوم.
وفي غمار عالم تتشابك فيه الأزمات، وتطل فيه الخلافات برأسها من كل حدب وصوب، تبرز السلطنة نموذجا مميزا في الإيمان بالحوار وسيلة لمعالجة الخلافات، وبالدبلوماسية طريقا لتقريب المسافات بين المتباعدين.
فقد ارتبط النهج العُماني عبر عقود، بالهدوء والحكمة واحترام سيادة الدول، والابتعاد عن التصعيد وإثارة النزاعات، والإيمان بأن الأبواب المفتوحة للحوار قد تحقق ما تعجز عنه لغة المواجهة. وقد أكدت السلطنة في مواقفها الدولية أن الحلول السياسية تظل الطريق الأكثر فاعلية لتحقيق السلام، وفتح آفاق التنمية والاستقرار لشعوب المنطقة.
وهذا النهج امتداد لإرث راسخ أرساه السلطان الراحل قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- ومستمر في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- حيث تؤكد عُمان دائما أن رسالتها تقوم على بناء الجسور، وتعميق التفاهم، واحترام الآخر، والبحث عن نقاط الالتقاء والقواسم المشتركة بدل توسيع دوائر الاختلاف.
ولعل من أبرز صور هذا النهج ما شهدته مسقط من استضافة حوارات ومشاورات بين أطراف مختلفة، ومن ذلك المباحثات المتعلقة بالملف النووي الإيراني؛ حيث واصلت عُمان خلال عام 2026 جهودها في تقريب وجهات النظر، وتهيئة الظروف الملائمة لاستمرار المسار الدبلوماسي.
وفي مشهد آخر يؤكد اتساع الرؤية العُمانية للسلام، أطلقت السلطنة في يونيو 2026 "خطة مسقط" في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، وهي مبادرة دولية مشتركة بين السلطنة والأمم المتحدة تهدف إلى تعزيز الحوار والوساطة والتماسك المجتمعي، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض على العنف، من خلال إشراك القيادات الدينية والتقليدية والشعوب الأصلية في جهود بناء السلام.
وهنا تتجلى فلسفة السلام العُمانية في صورتها الأعمق؛ حيث ترى عُمان أن السلام لا يبدأ حين تنتهي الحرب، بل يبدأ قبل اشتعال أسبابها؛ ويمنع نشوبها، ويحرص على نزع فتيلها، بالحوار الهادف، وبناء الثقة، وتحكيم العقل، ومعالجة أسباب الخلاف، وحفظ كرامة الإنسان.
ويعكس إطلاق الخطة من داخل مقر الأمم المتحدة مستوى الثقة الدولية بالدور العُماني القائم على الحوار والاعتدال والوساطة، ويعزز حضور السلطنة ضمن مسارات القوة الناعمة والدبلوماسية الإنسانية على المستويين الإقليمي والدولي.
وليس غريبا أن تتناغم هذه الرؤية مع قيم راسخة في المجتمع العُماني؛ فالتسامح والتعايش، واحترام الآخر، وحسن الجوار، والاعتدال والوسطية، ليست مجرد عبارات تقال في المناسبات، أو مطبوعات يتداولها الناس عبر وسائل التواصل، أو ملصقات تتعودها العيون في الشوارع والردهات، وإنما قيم يمكن أن تكون أساسا لبناء مجتمع أكثر تماسكا، وعالم أكثر قدرة على التفاهم، من أجل مستقبل أكثر عدلا، وأكثر أمنا، وأكثر إنسانية، لينعم العالم بالأمن والأمان، والاستقرار، والرخاء، والازدهار.
حفظ الله عُمان أرضا وشعبا وقيادة، وأدامها نموذجا حضاريا مشرقا للتعايش والاعتدال، ووسيطا دوليا موثوقا للتقريب بين الفرقاء، وواحة للأمن والسلام.
** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية
