الإعاقة أمام الطموح والكفاح.. سفير فرنسا في عُمان نموذجًا

 

 

 

 

علي بن عبدالله اللواتي

في سلطنة عُمان نماذج عديدة جدا من الشخصيات التي تحدت إعاقاتها- أيًّا كانت- فتجاوزتها محققة أهدافها التي كانت تصبو لتحقيقها، وعلى نحو الإشارة؛ فهناك الدكتور رائد بن عبد الحافظ الفارسي رئيس جمعية النور للمكفوفين فرع مسقط، وهو رغم كونه ضريرًا إلّا أنه يتمتع بمهارات متنوعة بما فيها العزف، وكان قد حاز على الثقة السامية فتشرّف بالحصول على وسام الإشادة السلطانية من الدرجة الثانية في مجال ذوي الإعاقة، تقديرًا لجهوده وإسهاماته المُتميزة في خدمة هذه الفئة.

وأيضا، محمد بن إسماعيل البلوشي، رئيس جمعية النور للمكفوفين في شمال الباطنة، الكفيف صاحب مهارات متعددة وجهود هائلة، وقد حاز مؤخرا منصب أمين صندوق الاتحاد الآسيوي للمكفوفين.

ومن النماذج التي قابلتها مؤخرا والذي ينتمي إلى عالم الدبلوماسية، حيث تتعدد المسؤوليات وتتشابك الملفات السياسية والاقتصادية والثقافية، وهناك يبرز الإنسان قبل المنصب، وتبقى الإرادة هي العامل الأهم في صناعة النجاح، يبرز سعادة نبيل حجلاوي، سفير الجمهورية الفرنسية لدى سلطنة عُمان، الذي يقدم نموذجًا إنسانيًا لافتًا يؤكد أن الإعاقة الجسدية لا ينبغي أن تكون حاجزًا أمام الطموح، ولا عائقًا أمام الوصول إلى المواقع القيادية وتحمل مسؤولية تمثيل الوطن.

لقد استطاع السفير حجلاوي أن يتجاوز تحديات الإعاقة، وأن يواصل مسيرته الدبلوماسية حتى أصبح ممثلًا لبلاده لدى سلطنة عُمان، في مهمة تتطلب حضورًا ومسؤولية وقدرة عالية على التواصل وبناء العلاقات.

وهنا لا تصبح الإعاقة هي القصة، وإنما تصبح الإرادة التي تجاوزت التحدي هي القصة الحقيقية.

وقد ينظر البعض إلى الإعاقة باعتبارها عائقًا أمام تحقيق الطموحات، لكن التجارب الإنسانية تثبت أن العائق الأكبر ليس دائمًا في الجسد، وإنما في الاستسلام لفكرة العجز.

وتقدم تجربة السفير الفرنسي صورة مختلفة؛ فالكفاءة والطموح والقدرة على تحمل المسؤولية لا تُقاس بقدرة الإنسان الجسدية وحدها، وإنما بما يمتلكه من علم وخبرة وإرادة وقدرة على العطاء.

إن وصول شخص من ذوي الإعاقة إلى منصب دبلوماسي رفيع لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره حالة تستوجب الشفقة، وإنما باعتباره انتصارًا لمبدأ تكافؤ الفرص، ودليلًا على أن الإنسان يستطيع أن يصنع مكانته متى أتيحت له الفرصة وأثبت كفاءته.

وتمضي سلطنة عُمان على نهج تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وجلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد حفظه الله ورعاه يبدي شخصيا اهتماما فائقا بهذه الفئة، من خلال توجيهاته الكريمة بإنشاء مركزٍ متكاملٍ لتقديم الخدمات للمصابين باضطراب طيف التوحد، وتوجيهه بإنشاء قطاع خاصٍ في وزارة التنمية الاجتماعية، يعنى بخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة والارتقاء بما يقدم لهم من برامج ومبادرات، وصولاً إلى المرسوم السلطاني السامي القاضي بإصدار قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والعطاء متواصل مستمر.

إن مثل هذه البيئات هي التي تتيح للأشخاص ذوي الإعاقة فرصًا أوسع للمشاركة في الحياة العامة والمهنية. وفي فرنسا، فقد تم اعتماد سياسات وتشريعات، وخلال العقود الماضية، تهدف إلى تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ودعم اندماجهم في المجتمع، ومكافحة التمييز ضدهم، وفتح المجال أمامهم للمشاركة في سوق العمل والحياة العامة على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص.

وتكمن أهمية هذه الفلسفة في أنها لا تنظر إلى الشخص ذي الإعاقة باعتباره بحاجة إلى الرعاية فحسب، وإنما باعتباره مواطنًا قادرًا على المشاركة والعطاء وتحمل المسؤولية متى توافرت له الظروف المناسبة.

ومن هذا المنظور، فإن وصول شخص من ذوي الإعاقة إلى مواقع فائقة الحساسية من قبيل موقع دبلوماسي رفيع، يمثل رسالة تتجاوز التجربة الفردية؛ فهو يعكس أهمية وجود مؤسسات تؤمن بأن الكفاءة لا ترتبط بالقدرة الجسدية، وأن خدمة الوطن وتمثيله في الخارج حق ومسؤولية يمكن أن يتحملها كل من يمتلك المؤهلات والقدرة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z