د. بدر بن أحمد البلوشي
حين يخلط البعض بين الوسيط والحليف في زمن الاستقطاب، تصبح السياسة عند البعض شديدة الاختصار: إذا تحدثت مع خصمي فأنت حليفه، وإذا لم تشتمه فأنت تؤيده، وإذا فتحت له بابًا للحوار فقد دخلت خندقه!
بهذا المنطق السريع يمكن صناعة منشور ناجح في وسائل التواصل الاجتماعي، لكن لا يمكن إدارة دولة، ولا منع حرب، ولا بناء وساطة، ولا حماية منطقة تقع فوق واحد من أكثر خطوط التماس حساسية في العالم.
ومن هنا يأتي سوء فهم السياسة العُمانية.. حين تستقبل مسقط مسؤولًا إيرانيًا، يقول البعض: عُمان حليفة لإيران.. وحين تنقل رسالة أمريكية إلى طهران، ينسى هؤلاء أن الطرف الآخر يستطيع بالمنطق نفسه أن يقول: عُمان تؤدي دورًا لصالح واشنطن.. وحين تتحدث مع الأطراف اليمنية المختلفة، يسارع فريق إلى تصنيفها مع هذا الطرف أو ذاك.
لكن السؤال الذي يغيب وسط ضجيج التصنيفات هو: كيف يمكن لدولة أن تكون وسيطًا أصلًا، إذا كان مطلوب منها أن تقطع اتصالها بنصف أطراف النزاع؟
الوسيط الذي لا يستطيع الدخول إلى غرف الخصوم ليس وسيطًا، وإنما عضو في أحد المعسكرات. وهنا تكمن فلسفة عُمان. مدرسة أقدم من أزمات اليوم.
السياسة العُمانية القائمة على فتح الأبواب ليست اختراعًا وُلِدَ بسبب إيران، ولا تكتيكًا ظهر مع الملف النووي، ولا مناورة مرتبطة بحرب اليمن.
قبل نحو قرنين، وتحديدًا في عام 1833، وقعت سلطنة مسقط والولايات المتحدة معاهدة صداقة وتجارة، وكان ذلك من أقدم أشكال العلاقات الرسمية الأمريكية مع المنطقة. وفي عام 1840 أبحر المبعوث العُماني أحمد بن النعُمان على متن السفينة «سلطانة» إلى نيويورك، ليصبح أول دبلوماسي عربي معتمد لدى الولايات المتحدة.
هذه الواقعة ليست تفصيلًا تاريخيًا للزينة.. إنها تخبرنا أن عُمان عرفت مبكرًا أن الدولة التي تطل على البحار والممرات التجارية لا تستطيع أن تعيش بعقلية الجدران؛ بل بعقلية الموانئ: أبواب مفتوحة، مصالح متبادلة، معرفة بالآخر، وعلاقات لا تشترط أن يكون الآخر نسخة منك؛ فالعُماني أبحر إلى الهند وشرق أفريقيا وبلاد فارس والجزيرة العربية، ووصل إلى الغرب، ولذلك لم تتشكل رؤيته للعالم على قاعدة: إما معي وإما عدوي.
عام 1971.. المبدأ كتب قبل أن تأتي الأزمات.. عندما انضمت سلطنة عُمان إلى الأمم المتحدة في 7 أكتوبر 1971، كان لافتا أن خطابها الأول لم يبن حضور الدولة الجديدة على لغة المحاور، وإنما تحدث عن السيادة، والسلام والصداقة بين الأمم، ورفض فرض إرادة دولة على أخرى.
وفي الخطاب نفسه أعلنت عُمان بوضوح وقوفها مع القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.. وهنا درس بالغ الأهمية لمن يعتقد أن الوسيط يجب أن يكون بلا موقف.. عُمان منذ البداية جمعت بين أمرين: أن يكون لها موقف، وأن تترك باب الحوار مفتوحا.
وهذه معادلة أكثر نضجا من مفهوم «الحياد»؛ فالحياد الإيجابي لا يعني أن الحق والباطل سواء، ولا يعني أن الدولة لا تعرف مصالحها ولا مبادئها، وإنما يعني ألا تسلم قرارها السياسي إلى موجة غضب عابرة، وألا تجعل الخلاف سببا لإحراق جميع الجسور التي قد يحتاج إليها الجميع غدا.
عندما كانت المقاطعة أسهل.. اختارت عُمان إبقاء الباب.. في نهاية السبعينيات، وبعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وما أحدثته من انقسام عربي واسع، كانت عُمان من الدول العربية القليلة التي لم تنخرط في قطيعة العلاقات مع القاهرة.
قد يكون الانضمام إلى الموجة هو الخيار الأسهل شعبيا في تلك اللحظة... لكن السياسة لا تقاس دائما.. بحرارة التصفيق في يومها، وإنما بقدرة الدولة على الاحتفاظ بموقع يسمح لها بالحركة في اليوم التالي.. وهذه سمة ستتكرر لاحقا مرات كثيرة: لا تجعل عُمان القطيعة هدفا بذاتها، ولا تعتبر إغلاق الهاتف إنجازا دبلوماسيا.
الخصومة السياسية شيء، وقطع القدرة على التأثير شيء آخر تماما.. الحرب العراقية الإيرانية.. اختبار حقيقي لاختلاف عُمان
ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، واحدة من أكثر حروب المنطقة دموية واستقطابا.
عُمان، العضو المؤسس في مجلس التعاون الخليجي منذ عام 1981، احتفظت بعلاقاتها مع طرفي الحرب، ودعمت الجهود الدولية لإنهائها، واستضافت مسقط خلال تلك الحقبة اتصالات ومحادثات سرية لوقف إطلاق النار بين العراق وإيران.
تأملوا هذه الصورة جيدا.. كان يمكن لعُمان أن تقطع كل قناة مع أحد الطرفين وتحصل على شهادة «وضوح الموقف» من الجمهور.
لكن ماذا كانت ستُضيف حينها إلى السلام؟ لا شيء، بينما وجود دولة يستطيع الطرفان التحدث عبرها كان قيمة استراتيجية للمنطقة كلها.. وهنا تظهر قاعدة عُمانية مهمة: الاستقلال في القرار لا يعني الانعزال عن الأشقاء، كما أن الالتزام الخليجي لا يستوجب إلغاء القدرة على الحديث مع إيران.
الدولة الواثقة تستطيع أن تكون خليجية الهوية والانتماء، وأن تتحدث مع إيران في الوقت ذاته، كما تستطيع أن ترتبط بعلاقات استراتيجية طويلة مع الولايات المتحدة من دون أن تصبح طرفا في كل خصومات واشنطن.
هذه ليست ازدواجية.. هذه سياسة دولة.. من الأسرى إلى الملف النووي.. الثقة تحولت إلى رأس مال سياسي. ومع مرور السنوات لم تبق تلك السياسة مجرد فلسفة نظرية.. خلال المواجهات الأمريكية الإيرانية في الخليج في أواخر الثمانينيات، استخدمت واشنطن عُمان قناة في ملفات تتعلق بإعادة إيرانيين. وبعد عقود، لعبت مسقط دورا في الإفراج عن أمريكيين كانوا محتجزين في إيران في 2010 و2011.
ثم جاء الاختبار الأكبر.. فقد استضافت عُمان اتصالات أمريكية إيرانية هادئة سبقت الاتفاق النووي المرحلي في نوفمبر 2013، وتواصلت اللقاءات المرتبطة بالمفاوضات في مسقط، ومنها اجتماعات شارك فيها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في نوفمبر 2014. وقد وثقت مصادر أمريكية رسمية ودراسات الكونجرس الأمريكي هذا الدور العُماني.
وهنا يجب أن نسأل المنتقدين: لو كانت عُمان قد أمضت السنوات السابقة في الصراخ على إيران وقطع العلاقات معها، هل كانت طهران ستثق بمسقط لنقل الرسائل؟ ولو بنت عُمان سياستها على العداء للولايات المتحدة، هل كانت واشنطن ستأتمنها على واحد من أخطر ملفات الأمن الدولي؟
الثقة التي يحتاج إليها الوسيط لا تصنع أثناء الأزمة؛ بل تُجمع قطرة قطرة خلال عشرات السنين، وقد تستغرق دولة 50 عامًا لبناء هذه الثقة، ثم تخسرها في تصريح متهور مدته 50 ثانية.
اليمن.. الجار الذي لا تطفأ ناره بمزيد من النار.. وفي الملف اليمني يظهر المبدأ ذاته بصورة أكثر حساسية... اليمن ليس خبرًا بعيدًا عن عُمان، بل جار وحدود وتاريخ ومجتمع ومصالح أمنية وإنسانية مباشرة. ولذلك استمرت مسقط في دعم مسارات الحوار والتواصل مع الأطراف المختلفة، واستقبلت تحركات المبعوثين الدوليين، وظلت مساحة يمكن أن تلتقي عندها خيوط يصعب جمعها في عواصم أخرى.
وفي أبريل 2026، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس جروندبرج، بعد مباحثاته في مسقط، أهمية الدور العُماني في دعم الحوار والوساطة التي تقودها الأمم المتحدة.
وهنا أيضا يأتي السؤال: هل الحديث مع طرف مختلف يعني التحالف معه؟ لو كان الأمر كذلك، لأصبح كل وسيط في العالم حليفا لجميع الأطراف التي يفاوضها في الوقت نفسه! الخطأ الأكبر: قياس الدبلوماسية بعدد بيانات الإدانة.. هناك من يريد قياس وطنية الدول بعدد المرات التي قالت فيها: «ندين ونستنكر».
ولا خلاف أن هناك أوقاتًا تقتضي موقفًا واضحًا وقويًا.. لكن الدبلوماسية ليست مسابقة في ارتفاع الصوت.. أحيانا تكون الدولة الأكثر فائدة للسلام هي الدولة التي تقول أقل، وتسمع أكثر، وتنقل الرسائل بدقة، وتمنع سوء التقدير، وتبحث عن كلمة يستطيع الخصمان الوقوف عليها قبل أن تطلق الصواريخ.
الموقف العلني يستطيع الجميع إصداره.. أما أن يثق بك خصمان لا يثقان ببعضهما، فتلك عملة دبلوماسية نادرة.. ولهذا تصف وزارة الخارجية العُمانية سياستها بأنها قائمة على الحوار والتسامح وعدم إغلاق قنوات الاتصال حتى في الأزمات الصعبة، وعلى الواقعية التي تقدم الحقائق الجيوسياسية والمصالح طويلة الأمد على المواقف الأيديولوجية المؤقتة.
هل عُمان محايدة أم صاحبة موقف؟ هذا السؤال نفسه يحتاج إلى تصحيح.. عُمان مستقلة القرار قبل أن تكون «محايدة».. قد تختلف مع دولة، لكنها لا تحول الاختلاف إلى عداوة أبدية.. قد ترفض سلوكا، لكنها لا تشترط لكي تثبت رفضها أن تغلق السفارة.. قد تقف مع حق سياسي أو قانوني، لكنها لا ترى أن الدفاع عن الحق يستلزم فقدان القدرة على التفاوض.. وقد تكون لها علاقات أمنية واقتصادية عميقة مع دولة، من دون أن توقع شيكا على بياض يؤيد كل قرارات تلك الدولة.. هذه هي المسافة التي لا يفهمها عقل المحاور.
ثقافة المحاور تسأل: مع من أنت؟ أما السياسة العُمانية فتسأل: ما المصلحة؟ ما القانون؟ وكيف نمنع أن تتحول الأزمة إلى حرب يدفع الجميع ثمنها؟ ولماذا تبدو عُمان أحيانا أقرب إلى الطرف الأصعب؟ لأن الطبيب يقف وقتا أطول عند المريض الأخطر، وليس لأنه يحبه أكثر.. والوسيط يتحدث أكثر مع الطرف الذي يصعب الوصول إليه، لا لأنه حليفه، وإنما لأن الآخرين يستطيعون الحديث فيما بينهم من دون حاجته.
فإذا كانت واشنطن تستطيع الاتصال بعشرات العواصم الخليجية، بينما تحتاج إلى قناة موثوقة للوصول إلى طهران، تصبح قيمة مسقط في الجزء الذي لا يستطيع الآخرون الوصول إليه.
كثرة الاتصال ليست دليلًا على التحالف؛ قد تكون هي جوهر الوساطة.. ومن لا يفهم هذه القاعدة سيظل يرى كل لقاء اصطفافا، وكل اتصال تنازلا، وكل صمت مؤامرة.
عُمان ليست دولة بلا مصالح.. ومن الخطأ أيضا تقديم السياسة العُمانية وكأنها عمل خيري مثالي.. السلام بالنسبة لعُمان مصلحة وطنية مباشرة.. دولة تطل على مضيق هرمز وبحر عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي لا يمكنها التعامل مع الحروب الإقليمية كمتفرج بعيد. أي انفجار كبير حولها يمكن أن يهدد الملاحة والتجارة والطاقة والاستثمار وأمن المواطنين والمنطقة كلها.
ولهذا فإن الوساطة ليست ترفا أخلاقيا فقط؛ إنها جزء من مفهوم الأمن القومي العُماني.
وبدلًا من أن تنتظر عُمان الحريق حتى يصل إلى بابها، تحاول منع إشعاله.. وهذا هو معنى الحياد الإيجابي: ألا تقف متفرجا بين المتخاصمين، بل تستخدم المسافة التي احتفظت بها مع الجميع لدفعهم نحو التسوية.. وقد أكدت عُمان رسميا في السنوات الأخيرة أن الاعتدال والحياد الإيجابي والوساطة أدوات لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.
إلى الذين يسخرون من الوساطة العُمانية.. من حق أي شخص أن ينتقد السياسة الخارجية، ومن حقه أن يسأل عن نتائج الوساطة وحدودها وأثمانها.. فالوساطة ليست عصا سحرية، وعُمان لا تستطيع إجبار القوى الكبرى على السلام إذا قررت الحرب.
لكن من غير المنطقي أن نسخر من الدولة لأنها ما زالت تستطيع الحديث مع الجميع، ثم نبحث عنها عندما تنقطع الاتصالات بين الجميع.. ولا يصح أن نسمي العلاقة مع إيران «تحالفا» كلما استقبلت مسقط مسؤولا إيرانيا، ثم نتجاهل قرابة قرنين من العلاقات العُمانية الأمريكية، وعقودا من العلاقات الخليجية والعربية والدولية المتشابكة.
الدول لا تُقرأ بهذه السذاجة.. علاقة عُمان بطهران ليست وكالة عن إيران، وعلاقتها بواشنطن ليست تفويضا أمريكيا، وانتماؤها الخليجي ليس تنازلا عن استقلال قرارها.. كل واحدة من هذه الدوائر تخدم المصلحة العُمانية بطريقة مختلفة.
في عام 2021، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش عُمان بأنها وسيط موثوق وصانعة سلام وبانية جسور تسهم في الاستقرار الإقليمي.. وهذه العبارة تختصر الكثير.. فالجسر بطبيعته يلامس ضفتين.. ولو التصق بضفة واحدة لما عاد جسرا.
ولهذا عندما ترون عُمان تتحدث مع دولة تختلفون معها، لا تسارعوا إلى سؤال: هل أصبحت حليفتها؟
اطرحوا السؤال الأذكى: لماذا ما زالت هذه الدولة تثق بمسقط عندما أغلقت أبوابها أمام الآخرين؟ هناك يكمن النفوذ الحقيقي.. ليس كل نفوذ طائرة مقاتلة، وليس كل قوة صاروخا، وليس كل انتصار أن يهزم طرف طرفا آخر.
أحيانًا تكون القوة أن يحمل اثنان السلاح في وجه بعضهما، ولا يبقى بينهما سوى هاتف واحد يستطيع كلاهما الاتصال به.
وعُمان، منذ زمن بعيد، اختارت أن تحافظ على ذلك الهاتف.. لذلك لا تدخل عُمان خنادق الآخرين؛ لأن من مهمتها أن يبقى هناك من يعرف كيف يفتح لهم باب الخروج منها.
