ضيوف الجنة.. أثر لا يغيب

 

 

 

 

أسماء بنت سعيد الإسماعيلية

 

ليس كل ضيف يأتي إلى حياتنا ثم يمضي كما جاء. فبعض الضيوف يتركون وراءهم أثرًا لا يغادر، ويغيّرون فينا أشياء كثيرة دون أن نشعر. يدخلون بيوتنا صغارًا، لكنهم يكبرون في قلوبنا يومًا بعد يوم، حتى يصبح وجودهم جزءًا من تفاصيلنا، من دعائنا، ومن خوفنا، ومن أشياء صغيرة لم نكن نعرف قيمتها من قبل. ولعل أصدق من يحمل هذا المعنى أطفالنا ذوو الإعاقة؛ أولئك الذين لا يكون حضورهم في حياتنا عابرًا، بل يتركون في القلب أثرًا لا يشبهه أثر.

أسميهم «ضيوف الجنة»؛ ليس لأن أعمارهم أقصر من غيرهم، فالأعمار بيد الله وحده، وإنما لأن وجودهم يحمل معنى مختلفًا. معهم نتعلم الرحمة بطريقة أخرى، ونفهم الصبر بعيدًا عن الكلام، وندرك أن الحب لا يحتاج دائمًا إلى طفل يركض أمامنا أو ينادينا أو يخبرنا بما يشعر به؛ ففي بعض الأحيان تكفي نظرة من عينين صغيرتين لتقول أشياء تعجز عنها الكلمات.

تبدأ الحكاية في كثير من البيوت بطفل انتظرته الأسرة كما تنتظر كل أسرة مولودها. اسم اختير له، وملابس جُهزت، وأحلام كثيرة سبقت قدومه. ثم تأتي الحياة أحيانًا بصورة لم تكن في الحسبان، ويخبر الطبيب الأسرة أن طفلها مختلف، وأن الطريق ربما يكون أطول مما توقعت. ومن تلك اللحظة تبدأ رحلة لا يعرف تفاصيلها حقًا إلا من عاشها.

مواعيد ومستشفيات، وأدوية تحفظ الأم أسماءها ومواعيدها، وفحوصات وجلسات علاج وتأهيل، وانتظار طويل أمام أبواب الأطباء. ومع كل ذلك يبقى الأمل حاضرًا. قد ينتظر الأب والأم أشهرًا حركة صغيرة، أو كلمة، أو استجابة للعلاج، وما يراه الآخرون أمرًا بسيطًا قد يكون في ذلك البيت فرحة كبيرة؛ حركة يد انتظروها طويلًا، أو ابتسامة بعد أيام من الألم، أو ليلة ينام فيها الطفل بهدوء فتنام الأسرة كلها مطمئنة.

هذه التفاصيل لا يراها الناس دائمًا. لا يرون أمًا تستيقظ في الليل أكثر من مرة لتتأكد أن طفلها يتنفس بهدوء، ثم تعود إلى فراشها ولا تنام. ولا يرون أبًا يحمل طفله بين ذراعيه في ممرات المستشفى، ويبدو قويًا أمام الجميع، بينما في داخله دعاء واحد لا يتوقف: يا رب احفظه. ولا يعرفون كيف يمكن لنتيجة فحص أن تغيّر حال بيت كامل، أو كيف تعيد كلمة مطمئنة من طبيب الحياة إلى قلب أنهكه الخوف.

ومع الأيام تتعلم الأسرة لغة لا يعرفها غيرها. يفهم الأب نظرة الأم دون أن تتكلم، وتعرف الأم من وجه طفلها أين يؤلمه، ويتعلم الإخوة أن أخاهم أو أختهم يحتاج إلى شيء من الصبر والاهتمام. ويصبح الطفل جزءًا من تفاصيل البيت كلها، حتى إن فرحته الصغيرة تصبح فرحة للجميع، وألمه يؤلم الجميع.

لكن المؤلم أن بعض الناس يرون الإعاقة قبل أن يروا الطفل. قد ينظرون إليه بشفقة، أو يطيلون النظر إليه، أو يسألون أسرته أسئلة لا يعرفون كم تؤلم. بينما هؤلاء الأطفال لا يحتاجون منا إلى الشفقة بقدر حاجتهم إلى الرحمة والاحترام والقبول. فالطفل ذو الإعاقة ليس ملفًا طبيًا ولا حالة نتحسر عليها؛ هو طفل يحب ويشعر ويفرح ويتألم، وله كرامته وحقه في أن نراه طفلًا قبل أن نرى إعاقته.

وربما لا يعرف كثيرون أن هؤلاء الأطفال يعطون أسرهم بقدر ما تأخذ رعايتهم منها. نظن في البداية أننا نحن من سنعلّمهم، ثم نكتشف أنهم علمونا أشياء كثيرة؛ أن نفرح بالقليل، وأن نعرف قيمة الصحة، وأن نفهم ألم الآخرين دون أن يشرحوه لنا، وأن ندرك أن أشياء كثيرة كنا نغضب من أجلها لا تستحق كل ذلك الغضب. وقد يكون الطفل عاجزًا عن الكلام، لكنه يعلم أسرته لغة كاملة من الحب، وقد يحتاج إلى من يحمله، بينما يكون هو، دون أن يدري، من يحمل أسرته إلى معنى أعمق للحياة.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نخفي تعب الأسر خلف الكلمات الجميلة. فالطريق ليس سهلًا. هناك أم تتعب، وأب يخاف، وإخوة يتأثرون، وهناك ليالٍ ثقيلة وأسئلة لا تجد لها الأسرة جوابًا. وقد يجلس أب وحده ويسأل نفسه: ماذا سيحدث لطفلي عندما أكبر؟ ومن سيكون معه إذا غبت عنه يومًا؟ وقد تتمنى أم ليلة واحدة تنام فيها دون خوف أو قلق. هذه مشاعر حقيقية، ولا تقلل من الصبر أو الرضا بشيء.

ولهذا فإن واجبنا تجاه هذه الأسر لا ينتهي عند قولنا لهم: «أنتم أقوياء»، ثم نمضي؛ فالقوة تتعب أيضًا. والإنسان مهما كان صابرًا يحتاج إلى من يسنده. تحتاج هذه الأسر إلى مجتمع يفتح لأطفالها أبوابه، ومدارس تفهم احتياجاتهم، وخدمات تراعي ظروفهم، وأشخاص يعرفون كيف يقدمون المساعدة دون أن يجرحوا الكرامة. وأجمل ما يمكن أن نقدمه لهم أن ننادي أطفالهم بأسمائهم لا بإعاقتهم، وأن نراهم كما يحب أهلهم أن يراهم الناس: أطفالًا لهم مكانهم وكرامتهم وحقهم في الحياة.

ثم إن لهذه الرحلة وجهًا آخر لا تستطيع الكلمات، مهما بلغت، أن تصفه كما ينبغي. وجه يعرفه من كان البيت ممتلئًا بوجود طفل، ثم افتقده. من اعتاد موعد دوائه، ثم جاء يوم لم يعد فيه دواء. ومن اعتاد أن يستيقظ في الليل ليتأكد من أنفاسه، ثم جاءت ليلة لم يعد فيها من يطمئن عليه.

هنا يصبح الصمت مختلفًا. تبقى ملابسه الصغيرة، وسريره، ولعبته، وربما دواء لم يُستخدم أو ورقة موعد قادم لم يأتِ صاحبه إليه. وقد تمر الأم بجوار مكان اعتادت أن تراه فيه فتتوقف للحظة، وقد يفتح الأب هاتفه فتظهر صورة قديمة فيبقى أمامها طويلًا. أشياء تبدو بسيطة للآخرين، لكنها تحمل لأصحابها حياة كاملة من الذكريات.

عندها نفهم أن بعض الغياب لا يعني أن صاحبه غادر تمامًا. فبعض الأطفال يرحلون من البيوت، لكنهم لا يرحلون من تفاصيلها. تبقى أسماؤهم في الدعاء، وصورهم في الهواتف، ومواقفهم في ذاكرة إخوتهم، وتبقى تفاصيل صغيرة جدًا قادرة بعد سنوات على إعادة حضورهم إلى القلب في لحظة واحدة.

ولمن عاش هذا الفقد، فإن الحزن لا يناقض الرضا، والدمعة لا تعني ضعف الإيمان، والاشتياق لا يعني الاعتراض على قدر الله. نحن بشر نحب، ولذلك نتألم حين نفقد من نحب. وقد يرضى القلب بقضاء الله، بينما تدمع العين كلما مر اسم أو صورة أو ذكرى. ونرجو لمن رحل من هؤلاء الأطفال رحمة الله الواسعة، ولمن رعاه وسهر معه وحمله واحتضنه ومسح ألمه أجرًا وجبرًا يليقان بكل ما قدمه من حب وصبر. فلا ليلة سهر تضيع عند الله، ولا دمعة أخفيت حتى لا يخاف طفل، ولا يد امتدت إليه بحنان، ولا لحظة تعب صبر عليها أب أو أم.

وربما لهذا أسميهم "ضيوف الجنة". فهم ضيوف في قلوبنا قبل أن يكونوا ضيوفًا في بيوتنا. بعضهم يبقى معنا سنوات طويلة، وبعضهم يكتب الله له الرحيل، لكنهم جميعًا يتركون شيئًا لا يرحل معهم؛ رحمة تعلمناها، وصبرًا عرفناه، وذكريات صغيرة لا يعرف قيمتها إلا من عاشها.

فيا من رزقك الله طفلًا من ذوي الإعاقة، أحبه كما هو، وامنحه قلبك قبل كل شيء، ولا تجعل خوفك على مستقبله يحرمك جمال يومك معه. احتفل بابتسامته، وبخطواته الصغيرة، وبكل تقدم يحققه مهما بدا بسيطًا للآخرين. ويا من تعرف أسرة لديها طفل من ذوي الإعاقة، كن خفيفًا على قلبها؛ لا تكثر الأسئلة، ولا تقدم الشفقة، ولا تقارن طفلها بغيره. ربما كلمة منك تمنحها قوة، وربما موقف بسيط يخفف عنها الكثير.

هؤلاء هم "ضيوف الجنة"؛ يأتون إلى حياتنا فنظن أننا سنحملهم، ثم نكتشف أنهم حملوا قلوبنا إلى أماكن لم نكن نعرفها. نظن أننا سنعلمهم كيف يعيشون، فيعلموننا هم كيف نحب، وكيف نصبر، وكيف نفرح بأصغر الأشياء.

وقد يكتب الله لبعضهم أن يغيبوا عن أعيننا، لكنهم لا يغيبون تمامًا؛ يبقى شيء منهم في البيت، وفي الذاكرة، وفي الدعاء، وفي القلب. فبعض الغياب يأخذ صاحبه من المكان، لكنه يعجز أن يأخذه من القلب..

ولهذا هم "ضيوف الجنة" إن غادروا المكان، بقي أثرهم ما بقي الحب.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z