حديث الجزيرة.. وحادثة الحلانيات

 

 

 

محمد بن سلطان الساعدي

 

 

منذ اللحظة الأولى التي سمعنا فيها عن حادثة السفينة الجانحة بالقرب من أرخبيل جزر الحلانيات، اتجهت الأنظار إلى البحر، وارتفعت وتيرة المتابعة والترقب في مختلف المناطق الساحلية، خاصة في الجزر التي يرتبط أهلها بالبحر ارتباط حياةٍ ورزقٍ وذاكرة.

وفي جزيرة مصيرة؛ حيث يشكل البحر جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، كان السؤال حاضرًا لدى الجميع: إلى أين تتجه التيارات البحرية؟ وما حجم التأثيرات المحتملة؟ وكيف تستعد الجهات المختصة لمواجهة أي طارئ بيئي؟

بدافع المتابعة المهنية والاطلاع عن قرب، قُمت بزيارة مكتب البيئة في جزيرة مصيرة؛ لرصد الجهود المبذولة والاستماع إلى المختصين الذين يعملون بصمت بعيدًا عن الأضواء. ومنذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن هناك حالة من الجاهزية والاستعداد، وأن العمل لا يُدار بردة الفعل، بل وفق متابعة دقيقة ورصد مستمر للمؤشرات البيئية والبحرية.

وخلال الزيارة، التقيت بعدد من الموظفين الذين كانوا يتابعون المستجدات باهتمام ومسؤولية، كما التقيت بالأستاذ نزار بن سالم آل فنة العريمي، مدير إدارة البيئة بمحافظة جنوب الشرقية، الذي رحَّب بنا بكل أريحية، وهو من الكفاءات الوطنية المعروفة بالاجتهاد والمتابعة الميدانية والحرص على العمل المؤسسي. وقد لمسنا من خلال الحديث معه حجم الجهود المبذولة، والتنسيق المستمر بين مختلف الجهات المختصة، إلى جانب الاستعداد للتعامل مع أي مستجدات قد تفرضها الظروف البحرية.

وفي موازاة هذه الجهود، كان مكتب والي مصيرة حاضرًا في المشهد منذ وقت مبكر، انطلاقًا من مسؤوليته في متابعة كل ما يمس سلامة الجزيرة ومجتمعها وبيئتها. فقد ترأس عبد الحميد بن علي بن حمدان العبري، نائب والي مصيرة، اجتماعًا لبحث تعزيز الجاهزية والاستجابة السريعة لأي احتمالية لتأثر سواحل مصيرة بالتلوث الزيتي.

وهنا تتجلى أهمية الدور الذي تقوم به الإدارة المحلية؛ فمثل هذه الظروف تحتاج إلى غرفة تنسيق تجمع الجهات المعنية، وتضع الاحتمالات أمامها، وتحدد آليات التعامل معها قبل أن تتحول المخاوف إلى واقع. والاجتماع الذي ترأسه نائب والي مصيرة يعكس هذا النوع من العمل الوقائي، الذي يقوم على الاستعداد المبكر ورفع مستوى التنسيق وسرعة الاستجابة.

الانتظار في مثل هذه الحالات لا يعني التوقف، وإنما يعني أن تكون جميع الجهات مستعدة عندما تستدعي الحاجة التدخل. وهذا تحديدًا ما تحتاج إليه جزيرة مصيرة، بحكم موقعها الجغرافي وامتداد سواحلها وتنوع بيئتها البحرية.

إنَّ ما شاهدناه من تضافر للجهود بين مكتب والي مصيرة والجهات البيئية والفرق المختصة في محافظة جنوب الشرقية، يعطي صورة واضحة عن أهمية العمل المؤسسي في التعامل مع الأحداث البيئية؛ فالمسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة، وإنما تتوزع بين الرصد والمتابعة والتنسيق والاستجابة الميدانية، وكل جهة تؤدي دورها ضمن منظومة واحدة.

ولعل ما يُميِّز محافظة جنوب الشرقية عمومًا، وجزيرة مصيرة على وجه الخصوص، هو وجود خبرات ميدانية تراكمت عبر السنوات في التعامل مع البيئة البحرية ومكوناتها المختلفة. فهذه المناطق تزخر بالتنوع البيئي، من الشعاب المرجانية إلى مواقع تعشيش السلاحف، إضافة إلى الثروة السمكية التي تعد مصدر دخل رئيسيًا لكثير من الأسر. ولذلك فإن حماية هذه المنظومة الطبيعية تمثل مسؤولية كبيرة، تتطلب الاستعداد الدائم والتعامل السريع مع أي تحديات قد تظهر.

وخلال الفترة الماضية، تابع الجميع حالة الترقب المرتبطة بمسار البقع النفطية واحتمالات وصولها إلى بعض المناطق الساحلية. وكان هذا الترقب مشروعًا؛ لأن البيئة البحرية ليست مجرد مساحة مائية، بل هي منظومة متكاملة تتصل بالاقتصاد والأمن الغذائي وحياة المجتمعات الساحلية. ومع ذلك، فإن ما يدعو إلى الثقة هو وجود فرق وطنية تعمل على مدار الساعة، وتتابع التطورات وفق معايير علمية وفنية دقيقة.

ومن مكتب والي مصيرة إلى مكتب البيئة، ومن الفرق الميدانية إلى مختلف الجهات المعنية، تتشكل أمامنا صورة لعمل متكامل عنوانه الجاهزية. وهذه الجاهزية ليست مجرد اجتماعات أو بيانات، وإنما مسؤولية تبدأ بالمعلومة الدقيقة، ثم المتابعة، ثم الاستعداد، وصولًا إلى التدخُّل إذا تطلَّب الأمر ذلك.

إنَّ الجهود التي تبذلها الفرق البيئية في محافظة جنوب الشرقية، وما يقوم به مكتب والي مصيرة من متابعة وتنسيق، تستحق الإشادة والتقدير. فهذه الأعمال لا تظهر دائمًا في المشهد العام، لكنها تمثل خط الدفاع الأول عن البيئة البحرية، وتؤكد أن هناك رجالًا يعملون بإخلاص من أجل الحفاظ على مقدرات الوطن وثرواته الطبيعية.

وليس من المبالغة القول إنَّ مثل هذه الحوادث تمنحنا دروسًا مهمة، أبرزها أن حماية البيئة مسؤولية مشتركة، وأن الاستعداد المسبق والجاهزية المؤسسية هما أساس النجاح في مواجهة التحديات. كما تؤكد أهمية الاستثمار المستمر في بناء القدرات الوطنية، وتطوير أدوات الرصد والاستجابة، وتعزيز التعاون بين مختلف الجهات المعنية.

وقد أثبتت التجارب أن المؤسسات العُمانية تمتلك خبرة متراكمة في التعامل مع الظروف الاستثنائية، وأن العمل الجماعي يظل العنصر الأهم في تحقيق النتائج الإيجابية. وما نشاهده اليوم من تنسيق ومتابعة واستعداد، يعكس هذا النهج الذي يقوم على المسؤولية والتخطيط والحرص على سلامة البيئة البحرية.

ويبقى البحر بالنسبة لأبناء مصيرة وسائر المناطق الساحلية أكثر من مجرد مساحة زرقاء؛ إنه مصدر رزق، وحكاية وطن، وذاكرة أجيال. ولذلك فإن كل جهد يُبذل لحمايته هو استثمار في المستقبل، وكل خطوة في سبيل الحفاظ على بيئته هي حفاظ على جزء أصيل من هوية عُمان البحرية.

وفي ظل هذه المتابعة المتواصلة، يبقى الأمل كبيرًا بأن تتجاوز المنطقة أي آثار محتملة، وأن تستمر الجهود الوطنية بالمستوى ذاته من الجاهزية والاهتمام. فحين تتكامل المؤسسات، ويتقدم العمل الميداني، وتعلو المصلحة العامة، يكون الوطن أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر اطمئنانًا على بيئته وثرواته للأجيال القادمة.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z