حمود بن علي الحاتمي
في كل مؤسسة حكومية وفي كل محافظة، توجد مسافتان لا تلتقيان دائمًا، الأولى قصيرة جدًا بين مكتب المسؤول وبعض الإعلاميين، والثانية طويلة بين هؤلاء الإعلاميين أنفسهم وبين هموم المواطن اليومية.
"القرب المهني" من المسؤول ليست جريمة؛ بل هي مصادر أساسية للمعلومة. والشراكة بين الإعلام والمسؤولين أضحت ضرورة ملحة من أجل التنمية. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا القرب من جسر لنقل الحقيقة، إلى جسر لتمرير أخبار كما يريدها المسؤول لا كما يراها المواطن والواقع. المعاش.
الكرسي الحكومي، بكل مستوياته، يملك مفاتيح كثيرة: اعتماد مشروع، توقيع مناقصة، استثناء، موافقة. وما إن يصبح الإعلامي "قريبًا من المسؤول" حتى يحصل على امتيازات كبيرة: سبق صحفي، رد سريع على الهاتف، دعوة لحضور توقيع.
في المقابل، تبدأ التنازلات الصغيرة التي تكبر مع الوقت: "لا تثر هذا الموضوع الآن"، "سنحل الشكوى وديًا"، "ركز على الجانب الإيجابي". وهكذا ينتقل الإعلامي بهدوء من خانة "الرقيب" إلى خانة "المبرر".
المشكلة تتفاقم عندما يصنع بعض المسؤولين "بطانة إعلامية" خاصة بهم. يرتاح لمن يمدح ويتجاهل من يسأل. فيغيب صوت النقد البناء الذي هو في جوهره هدية مجانية للتحسين.
وحين يقترب الإعلامي من البيان الرسمي أكثر من اقترابه من الشارع، يدفع الثمن من رصيده المهني. طريق متعثر لسنوات يصبح "قريبًا سيتم إنجازه". نقص في الخدمات الصحية يتحول إلى "أرقام وإحصائيات". قرار يمس الناس مباشرة يمر دون نقاش، ويكتفى بنشره كما ورد.
النتيجة الحتمية أن المواطن يفقد الثقة ويبحث عن المعلومة في مكان آخر. والمسؤول نفسه يخسر، لأنه يعيش في فقاعة لا يصلها صوت الخلل الحقيقي إلا متأخرًا جدًا.
أما الخاسر الأكبر فنراه كالتالي:
أولًا: المؤسسة الحكومية؛ حيث تتخذ قرارات بمعزل عن نبض الناس، فتتعثر بعض المشاريع وتضيع موارد.
ثانيًا: المهنة الإعلامية: يختلط الحابل بالنابل، ويصبح معروفًا "إعلامي المسؤول الفلاني" بدلًا من "إعلامي يخدم الناس".
ثالثًا: المواطن: هو من يدفع الثمن في النهاية، حين تغيب المرآة التي تعكس الواقع كما هو.
ولضبط هنا مسؤولية ثلاثية:
أولًا: المسؤول؛ فالمسؤول الناجح هو من يفتح بابه للجميع، ويتقبل النقد كما يتقبل المديح. القرب مطلوب للتوضيح وتصحيح المعلومة، لا لتجميل الصورة.
ثانيًا: الإعلامي. خذ المعلومة من المسؤول، لكن خذ الحقيقة من الميدان. كن شريكًا في التنمية، لا شريكًا في التبرير. ومن اختار العمل كمستشار إعلامي، فعليه أن يفصل بين ذلك وبين العمل الصحفي.
ثالثًا: المؤسسات الإعلامية. ضرورة وضع مواثيق شرف واضحة. الفصل بين "العلاقات العامة" و"التحرير" ضرورة لحفظ استقلالية القرار التحريري.
إننا في سلطنة عُمان نمضي في مسار التحديث والتمكين. وهذا المسار يحتاج إعلامًا شجاعًا قريبًا من الناس، ومسؤولًا شفافًا لا يخشى السؤال.
القرب من مكتب المسؤول قد يمنحك "خبرًا عاجلًا". لكن القرب من هموم المواطن هو الذي يمنحك "احترامًا دائمًا". ولتكن المعادلة واضحة: مسافة مهنية تحفظ المصداقية، وقرب وطني يخدم الوطن.
