"عزّنا بطبعنا".. عُمان والسعودية من عمق العلاقة إلى آفاق التكامل

 

 

 

عمر الكندي

تحت سماء نجدٍ الصافية، وعبر كثبان الربع الخالي المُمتدة كبحرٍ من ذهب، كُتبت قبل عقودٍ قصة توحيدٍ ملحمية لا تزال أصداؤها تتردد في أروقة التاريخ. الثالث والعشرون من سبتمبر ليس مجرد تاريخٍ يُدون في التقويم السنوي؛ بل هو نبضُ أمةٍ حولت قسوة الصحراء إلى واحاتٍ من الازدهار، وجمعت شتات القلوب لتصنع كيانًا شامخًا. وحين تشرق شمس اليوم الوطني السعودي، فإنها لا تضيء سماء الرياض وحدها، بل تمتد خيوطها لتبعث الدفء في وجدان المنطقة بأسرها. وهنا في سلطنة عُمان، لا تُعاش هذه المناسبة كاحتفالِ جارٍ بجاره؛ بل كفرحةِ أخٍ بشقيقه؛ حيث تتشابك الجذور بعمق في تراب الجزيرة العربية، لتصنع قدرًا مشتركًا ومصيرًا راسخًا.

لقد تجاوزت هذه العلاقة أطر العاطفة والتاريخ، لتتجسد واقعًا اقتصاديًا واستراتيجيًا متينًا تترجمه لغة الأرقام والإنجازات. فهناك مواءمة دقيقة بين رؤية المملكة 2030 ورؤية عُمان 2040 تتجه بخطى ثابتة نحو تنويع مصادر الدخل واستشراف المستقبل، فيما تلتقي مسارات النمو في البلدين عند فرصٍ أوسع للتعاون والاستثمار والتكامل. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين عُمان والسعودية نحو 2.5 مليار ريال عُماني في عام 2025، إلى جانب استثمارات مباشرة متبادلة تعكس اتساع المصالح الاقتصادية بين السوقين.

وفي قطاع السياحة، تكشف الأرقام عن تحولٍ متسارع في البلدين؛ فقد سجلت المملكة في عام 2025 نحو 123 مليون سائح محلي ووافد، بزيادة تقارب 6% عن العام السابق، فيما ارتفع الإنفاق السياحي إلى نحو 304 مليارات ريال سعودي بزيادة 7%. وفي عُمان، نمت القيمة المضافة المباشرة للسياحة بنحو 6.5% خلال العام نفسه، لتتجاوز 1.09 مليار ريال عُماني. وبينما تبني السعودية منظومة وجهات عالمية واسعة، تواصل عُمان تطوير تجربة سياحية تستند إلى الطبيعة والتراث والأصالة؛ وهو تنوع يهيئ المجال أمام سوق سياحية إقليمية أكثر ترابطًا.

وفي الاقتصاد، واصل البلدان توسيع قاعدة الأنشطة غير النفطية؛ فقد نما الاقتصاد السعودي 4.5% في 2025، ونمت الأنشطة غير النفطية 4.9%، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية في عُمان نموًا بلغ 4.1% خلال النصف الأول من العام ذاته. ولا تعني هذه المؤشرات نموًا متوازيًا فحسب، بل تشير إلى تحولٍ اقتصادي يفتح المجال أمام مزيد من الشراكات في التجارة والإنتاج والخدمات.

وفي الصناعة، أخذ التعاون خطوةً أبعد من تبادل المنتجات إلى بناء التكامل نفسه؛ فقد ارتفعت الصادرات الصناعية العُمانية 39% حتى نهاية يوليو 2025، بينما ارتفعت صادرات السعودية إلى عُمان 10%، وارتفع التبادل التجاري بين البلدين 20% خلال الفترة نفسها. وتزامن ذلك مع مبادرات مشتركة للاعتراف المتبادل بشهادات المنشأ، وتسهيل تسجيل المنتجات، وتسريع إجراءات المطابقة، وتحفيز الاستثمارات الصناعية وربط سلاسل القيمة والإمداد.

وفي الجانب اللوجستي، جاء افتتاح الطريق البري عبر «منفذ الربع الخالي» ليمنح هذه الشراكة بعدًا عمليًا جديدًا؛ فقد ارتفع حجم التبادل التجاري عبر المنفذ من نحو 1.05 مليار ريال عُماني في 2021 إلى نحو 1.32 مليار ريال عُماني في 2025. ومع تطور الموانئ والخدمات اللوجستية، يتسع المجال أمام البلدين لربط الأسواق ومراكز الإنتاج وسلاسل الإمداد بصورة أكثر كفاءة، وهو ما تؤكده اللقاءات المشتركة التي شهدتها الموانئ العُمانية في سبتمبر 2026 لبحث فرص الاستثمار والتكامل اللوجستي.

إنَّ هذا المشهد التكاملي لا يعكس مجرد إنجازاتٍ منفصلة، بل مساراتٍ تنموية تتقاطع في غايةٍ واحدة؛ فبينما تمضي السعودية في توسيع قاعدتها الاقتصادية وترسيخ حضورها في الأسواق الحيوية، تواصل عُمان تطوير قطاعاتها اللوجستية وموانئها وقدراتها الإنتاجية، ليصنع هذا النمو المتوازي فضاءً رحبًا لتبادل الاستثمارات، وبناء شراكاتٍ استراتيجية، وتأسيس سلاسل قيمةٍ مشتركة ومستدامة، يمتد أثرها من البلدين إلى المنطقة والعالم.

وإذا كانت الأرقام ترسم جانبًا من هذه العلاقة، فإن للإنسان فيها قصةً أخرى أكثر قربًا إلى القلب؛ قصةُ علاقةٍ تتجاوز المصالح والاتفاقيات، وتبقى حاضرةً في الذاكرة والوجدان. ومن سلطنة عُمان، من أرضٍ أعيش فيها اليوم وأجد في دفئها وطيب أهلها امتدادًا جميلًا للحياة، إلى المملكة العربية السعودية الحبيبة، الأرض التي شهدت ميلادي واحتضنت بدايات عمري، أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات لمقام سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وإلى الشعب السعودي العزيز، بمناسبة اليوم الوطني السادس والتسعين؛ تهنئةً تحمل في داخلها تقديرًا خاصًا لوطنٍ كانت له في رحلة حياتي مكانةٌ لا تُختصر بالكلمات.

وكما تحمل نسائم الفجر رائحة الأصالة من جبال ظفار الشامخة، لتُصافح بها شموخ قمم السروات، تواصل هذه العلاقة العُمانية السعودية كتابة فصولها المشرقة. فالأمر هنا أعمق من مجرد أرقامٍ تُحصى أو مذكراتٍ تُبرم؛ إنها حكاية شعبين جمعهما الجوار، ورسّخهما الود، ومهّد لهما التاريخ طريقًا يمتد نحو المستقبل. وحين يغفو المساء على أطراف الربع الخالي، لا تفصل بين الديار سوى همس الرمال الذي عبرته قوافل الأمس، فيما تعبّد اليوم الرؤى والطموحات طريقًا جديدًا لا تعترف فيه الحدود بما يمكن أن تصنعه الإرادة المشتركة، ليبقى هذا العناق العُماني السعودي قصةَ شراكةٍ تتجدد فصولها، وسفينةَ أملٍ تمضي بأشرعتها الواثقة نحو غدٍ أرحب وأكثر إشراقًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z