الاستيطان والمستوطنون في فلسطين

 

 

 

د. عبدالله الأشعل **

من علامات توحش إسرائيل إصرارها على استيطان الضفة الغربية في فلسطين. وقد عرفت المنطقة أمواجًا من الاستعمار. والفرق بين الاستعمار والصهيونية هو الاستيطان. والاستيطان معناه أن الصهاينة ليس لهم وطن يستقرون فيه، فاستولوا على فلسطين بالقوة وفقًا لتعليمات المشروع الصهيوني التي تقضي بإبادة السكان الأصليين وطردهم من بيوتهم وأرضهم والحلول محلهم.

والاستيطان هو ما يميز المشروع الصهيوني عن موجات الاستعمار، فقد استعمر الأوروبيون إفريقيا كلها ومعظم الدول العربية، لكن رحلوا دون أن يدعي أحد بملكية الأرض. صحيحٌ أن الاستعمار كان يبيد السكان والفرنسي بالذات، وكان الفرنسيون في الجزائر -بصفة خاصة- صهاينة لأنهم أبادوا السكان وتركوا أعدادًا منهم بعد رحيل الاستعمار الفرنسي واستقلال الجزائر في الثاني من يوليو 1962 بفضل الثورة الجزائرية المباركة، وعلى الطرف الآخر كان الرجل العظيم ديجول في فرنسا. فقد رأى أن فرنسا بقيت في الجزائر أكثر من 130 عامًا أبادت فيها القرى الجزائرية، وهذه الحالة الوحيدة للاستعمار الاستيطاني.

أما في الضفة الغربية، فقد بدأ الاستيطان بها منذ عام 1967 حتى استحوذ الاستيطان على 5% من مساحة الضفة الغربية.

والاستيطان جريمة في القانون الدولي. أما المستوطنون فهم همج مجرمون. وكنت أود أن التحالف الثلاثي بين كبرى الدول الإسلامية وهي السعودية وتركيا وباكستان، الذي أعلن في مكة، أن يتصدى لإسرائيل والمستوطنين. وأخشى أن يكون الحلف الثلاثي موجهًا ضد الحوثيين وإيران وضد المقاومة الفلسطينية، أي أنه يساعد إسرائيل ولا يتصدى لها لاعتبارات كثيرة. أولها أن الدول الثلاثة متحالفة مع أمريكا، وتربطها علاقات- بعضها سرية- مع إسرائيل. ونذكر أن تركيا أول دولة اعترفت بإسرائيل عام 1948 وأنشأت بعثتها الدبلوماسية في تل أبيب، بينما باكستان لم تعترف بإسرائيل لكنها وثيقة الصلة بأمريكا.

والمعلوم أن أمريكا تدفع نحو التطبيع مع إسرائيل، وأحدث هذه المحاولات إعلان ترامب أن السلام مع إيران ثمنه تطبيع الدول العربية مع إسرائيل، ونخشى أن تقع السعودية في فخ التطبيع. وتركيا وريثة الدولة العثمانية، فقد أيدها الله تعالى في حروبها وعوض بها الإسلام في الشرق عن سقوط الأندلس في الغرب. وصحيحٌ أن العلاقات متوترة بين تركيا الحديثة وإسرائيل، وكافة العلاقات التجارية بينهما مقطوعة، إلّا العلاقات الدبلوماسية لم تنقطع. وتركيا حليف لأمريكا التي لن تُفرِّط في إسرائيل، كما أن تركيا عضو في الناتو.

أما باكستان فإنها نشأت وانشقت عن الهند عام 1947 لاعتبارات إسلامية؛ فسكان الهند المسلمون قدرت بريطانيا العظمى أن ينفصلوا في دولة واحدة عن السيخ، لتتأسس دولة باكستان، وكان صراعها مع الهند منذ قيامها سببًا في نشأة بنجلاديش. وباكستان وبنجلاديش إضافة إلى الهند تشكل شبه القارة الهندية. وباكستان الإسلامية ساندت الجماعات المتطرفة مثل القاعدة وداعش وطالبان. وباكستان صديق للصين لأن الصين ساندتها في حربها الطويلة ضد الهند.

تلك الخلفيات الإسلامية والرصيد الإسلامي للدول الثلاثة والحلف الذي تأسس وأعلنوه في مكة، محل اختبار، وأرجو أن يخيب ظني فيه ويُكرِّس جهوده لتحرير القدس والمسجد الأقصى من الصهاينة.

أما تركيا فتأمل في انضمام مصر إلى هذا الحلف، وقد تابعت تصريحات لوزير الخارجية التركي كما تابعت حلقات مناقشة حول هذا الموضوع في التلفزيون التركي؛ فالحلف في ظني لن يكون كما يتوقع الكثيرون، وربما لن يُكتب له النجاح. وفي هذا المقام، أشهد أمام الله أنني عندما كنت مستشارًا قانونيًا لمنظمة المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي حاليًا) في جدة لمدة خمس سنوات في ثمانينيات القرن الماضي، لم أجد الدول الإسلامية تتبع تعاليم الإسلام في علاقاتها فيما بينها، وتلك شهادة أعلنها لوجه الله تعالى من خبراتي الطويلة في القانون والدبلوماسية.

وبينما أُبيدت غزة على يد إسرائيل وأمريكا، لم يحرك المسلمون ساكنًا ولم تستنفر جيوشهم، وهذا سبب أساسي في توحش الباطل الإسرائيلي وتوحش ترامب على الإسلام والمسلمين؛ فقد شن ترامب حملة شعواء على زوجة عبد الرحمن السيد المرشح الديمقراطي للكونجرس الأمريكي عن ولاية ميشيغان، وتفاعل معه عدد من المؤسسات الأمريكية فيما يعرف تاريخيًا بكراهية الإسلام أو "الإسلاموفوبيا".

وللعلم فإن عبد الرحمن السيد فاز بترشيح الحزب الديمقراطي لعضوية الكونجرس، ضد اللوبي الصهيوني الذي أنفق 60 مليون دولار على الحملة المضادة. ويجب على الجالية الإسلامية في أمريكا التي تُقدَّر بالملايين أن تهب للدفاع عن الإسلام والمسلمين ما دامت كبرى الدول الإسلامية تخلت عن قضايا المسلمين، ولا سيما في فلسطين؛ فالمقاومة الفلسطينية تعمل في بيئة معادية، لعل الله ينصرها في صد المتوحشين من الصهاينة المستعمرين.

أمَّا في أوروبا، فإن رئيس الوزراء البريطاني توعد المستوطنين الصهاينة بالعقاب، كما تعاطفت إيطاليا وإسبانيا وأيرلندا. وكان جديرًا بالدول الإسلامية أن تنصر الفلسطينيين استجابة لتعاليم الإسلام. وما دامت أمريكا تطغى، فإن إسرائيل ترتكب الجرائم بلا عقاب، "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z