د. إبراهيم بن سالم السيابي
هناك أماكن لا تغادرنا حين نغادرها، تظل تسكن في الذاكرة مهما ابتعدت بنا الأيام، وتبقى تفاصيلها الصغيرة حاضرة كلما قادتنا الصدفة إلى أبوابها من جديد. وجامعة السلطان قابوس واحدة من تلك الأماكن التي لا تشبه غيرها؛ فاسمها وحده كفيل بأن يستدعي إلى الذاكرة سنوات طويلة من العمر، ووجوهًا كثيرة، ومواقف لا تزال حاضرة رغم مرور أكثر من 3 عقود.
كانت الجامعة بالنسبة لنا أكثر من مكان للدراسة أو العمل. كانت مدرسة يتعلم فيها الطالب، ويتعلم فيها الموظف، ويتعلم فيها كل من أتيحت له فرصة أن يكون جزءًا من هذا الصرح. في أروقتها وقاعاتها ومختبراتها مرّت قامات علمية كبيرة، علماء وأساتذة كنا فقط نسمع عن بعضهم أو نشاهدهم في البرامج التلفزيونية، كلٌّ في مجاله وتخصصه، حتى بدا لنا أن كل ركن من أركان الجامعة يحمل قصة علم، وأن كل جيل يغادرها يترك وراءه شيئًا من أثره.
وبعد سنوات من تلك الرحلة، جاءت مرحلة أخرى قادتني إلى مستشفى جامعة السلطان قابوس، ذلك الصرح الذي لم يكن مستشفى للعلاج فقط، وإنما كان جزءًا من منظومة علمية وبحثية وتدريبية، تخرّج فيه وتدرّب على أيدي كوادره أطباء أصبح كثير منهم علامات بارزة في مسيرة الطب في هذه البلاد العزيزة.
لكنني هذه المرة لم أعد إلى المستشفى موظفًا أذهب لأداء واجبي، ولا مسؤولًا أحمل همّ العمل وما يتصل به من احتياجات ومتطلبات. عدت إليه بعد سنوات، ولكن من الجهة الأخرى؛ عدت مرافقًا لمريض.
وهنا، اكتشفت أن العودة إلى المكان ليست دائمًا عودة إلى المكان نفسه؛ فقد تدخل البوابة ذاتها، وتسير في الممرات ذاتها، وترى الجدران ذاتها، لكنك هذه المرة تراها بعين مختلفة. تتغير صفتك، فتتغير معها علاقتك بالمكان، وتبدأ الذاكرة في فتح أبوابها واحدًا تلو الآخر.
ولعل أكثر ما عاد إلى ذاكرتي وأنا أمشي في ممرات المستشفى تلك الأيام التي مررنا بها خلال جائحة كورونا؛ أيام لم تكن تشبه ما قبلها، ولم يكن أحد يعرف إلى أين يمكن أن تأخذنا الساعات والأيام التالية. كانت اجتماعات الصباح تبدأ مبكرًا، وتلتقي فيها الأقسام المختصة لمتابعة احتياجات العلاج، والتأكد من توفر المستلزمات والأدوية، والاستعداد لكل الاحتمالات. لم يكن الأمر عملًا روتينيًا يمكن تأجيله إلى الغد، فخلف كل احتياج مريض ينتظر، وخلف كل نقص محتمل مسؤولية يجب أن تجد طريقها إلى الحل.
وكانت الوجوه التي اعتدنا أن نراها كل صباح تتناقص أحيانًا؛ هذا غاب لأنه أصيب بالمرض، وذاك اضطر إلى العزل، وآخر غاب أيامًا ثم عاد إلى عمله وكأن شيئًا لم يحدث. لم يكن أحد يتعامل مع ما أصابه باعتباره سببًا للتراجع أو الابتعاد عن المسؤولية. كان الهم الأكبر أن يبقى المستشفى في كامل جاهزيته، وأن يستمر العلاج، وأن لا يشعر المريض بأن الظروف الاستثنائية التي يعيشها العالم يمكن أن تنتقص من حقه في الرعاية.
وأتذكر أيضًا أولئك الذين كانوا يقطعون المسافات الطويلة للوصول إلى أعمالهم، ثم يقفون في طوابير الانتظار عند نقاط التفتيش لساعات، في وقتٍ كانت فيه الحركة محدودة، والقلق يُحيط بالجميع. كانوا يصلون إلى أعمالهم بعد ذلك كله، لأن هناك واجبًا ينتظرهم، ومرضى لا يعرفون أسماءهم، لكنهم يعرفون أنهم بحاجة إلى من يكون هناك.
ربما لم نكن ندرك في تلك الأيام قيمة ما نقوم به بالقدر الذي ندركه اليوم. ففي زحام العمل، وتتابع الاجتماعات، وكثرة الاحتياجات والطلبات، يمضي الإنسان أحيانًا دون أن يتوقف ليسأل نفسه: ماذا يعني أن تكون جزءًا من مؤسسة تتعامل كل يوم مع حياة الانسان؟ لكن السنوات حين تمر تمنح الذاكرة قدرة مختلفة على قراءة الأشياء؛ فتكتشف أن بعض الأيام التي ظننت أنها مجرد أيام عمل، كانت في الحقيقة جزءًا من حكاية أكبر ستظل ترافقك طويلًا.
وعندما انتهت تلك المرحلة، لم أكن أتصور أنني سأعود يومًا إلى المكان نفسه بهذه الصورة. ما زلت أتذكر آخر مرة سلمت فيها مفاتيح مكتبي، وأغلقت وراءي بابًا كنت أدخله كل صباح، وأغادره في نهاية يوم العمل. وأتذكر أيضًا آخر مرة غادرت فيها بسيارتي مواقف الموظفين، تلك المواقف التي كانت جزءًا من تفاصيل يومية عادية، حتى أصبحت بعد سنوات من الزمن جزءًا من الذاكرة.
واليوم، عدت إلى المكان نفسه، لكن سيارتي لم تدخل مواقف الموظفين. وقفت هذه المرة بين سيارات المراجعين، وجئت مرافقًا لمريض. مشهد بسيط ربما لا يلفت انتباه أحد، لكنه بالنسبة لي كان كفيلًا بأن يعيد سنوات كاملة إلى الذاكرة.
وقفتُ للحظة أتأمل المكان، وكأنني أبحث بين الممرات عن شيء تركته هناك منذ سنوات. لم تكن الجدران قد تغيرت كثيرًا، لكنني أنا الذي تغيرت صفتي. في المرة الأولى كنت أدخل المستشفى وأنا أحمل مسؤولية العمل، أما اليوم فأدخل وأنا أحمل قلق إنسان ينتظر العلاج لمن يرافقه.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن الأماكن تحفظ شيئًا منا. ربما لا تعرف أسماءنا، ولا تتذكر وجوهنا، لكنها تحتفظ بأصوات خطواتنا، وبالأيام التي عشناها بين جدرانها، وبالأشياء الصغيرة التي لم نكن نعتقد يومًا أنها ستصبح ذكريات.
ومع كل ذلك الحنين، كنت أخشى أن تكون عودتي مختلفة عما تركته؛ فالأماكن التي أحببناها كثيرًا نعود إليها أحيانًا ونحن نحمل صورة قديمة لها، ونخشى ألا نجدها كما تركناها. لكن ما وجدته في مستشفى الجامعة كان أجمل من أن يكون مجرد استعادة للذاكرة.
ما وجدته في هذه العودة من حُسن استقبال، وطيب معاملة، واهتمام بالتفاصيل، جعلني أشعر بشيء من الخجل الجميل؛ خجل الإنسان حين يكتشف أن سنوات مضت من عمره في خدمة مكان لم تذهب سدى، وأن ما كان يراه يومًا واجبًا يؤديه، ترك أثرًا بقي في المكان واستمر من بعده.
لقد وجدت أمامي منظومة متكاملة من الكفاءات؛ أطباء يحملون علمهم وخبرتهم ومسؤوليتهم، وأطقمًا طبية مساعدة، وكوادر تمريضية وفنية وإدارية، كلٌّ يؤدي دوره في هدوء، ودون أن يحتاج الأمر إلى كثير من الكلام. لم أرَ في الأمر مجرد تقديم خدمة لمريض، وإنما شعرت أن هناك مؤسسة تعرف معنى المسؤولية، وتعرف أن المريض حين يدخل أبوابها لا يحمل معه مرضه فقط، وإنما يحمل خوفه وقلقه وحاجته إلى من يطمئنه قبل أن يعالجه.
وقد بذل الفريق الطبي كل ما يستطيع من أجل أن تمر رحلة العلاج على أفضل وجه، وسارت الإجراءات كما ينبغي، وتواصلت الرعاية بعد الخروج من المستشفى، ولم تنتهِ الحكاية عند مغادرة السرير؛ فقد استمرت المتابعة من خلال الوحدات المختصة والعلاج الطبيعي، وكأن الرسالة لم تكن أن يُخرج المريض من المستشفى فحسب، وإنما أن يُعاد إلى حياته بأفضل حال ممكنة.
وأنا أراقب كل ذلك، لم أستطع أن أفصل بين ما أراه اليوم وما عشته بالأمس. تذكرت الاجتماعات، والاحتياجات، والقلق الذي كان يرافقنا في بعض الأيام، وتذكرت أولئك الذين كانوا يعملون خلف المشهد دون أن يعرف المريض أسماءهم، ثم أدركت أن المؤسسة الناجحة ليست فقط مبنى كبيرًا أو أجهزة حديثة أو غرفًا مجهزة؛ المؤسسة الحقيقية هي الإنسان الذي يقف خلف كل ذلك، ويعرف أن ما يقوم به قد يكون سببًا في تخفيف ألم إنسان أو إنقاذ حياة.
لهذا خرجت من هذه التجربة بشعورٍ مختلفٍ. لم أعد أنظر إلى المستشفى باعتباره المكان الذي عملت فيه يومًا، وإنما باعتباره صرحًا أفخر أنني كنت في مرحلة من مراحل حياتي جزءًا من مسيرته، ولو لسنوات. وما أجمل أن يعود الإنسان إلى مكان خدم فيه، فيجد أن العمل الذي شارك فيه ذات يوم ما زال يمضي، وأن الذين جاءوا بعده يحملون الأمانة ويواصلون الطريق.
فشكرًا لمستشفى جامعة السلطان قابوس، ولكل طبيب وممرض وفني وإداري وكل من يعمل في هذا الصرح؛ شكرًا لأنكم لم تقدموا علاجًا فحسب، وإنما منحتموني، من حيث لا تعلمون، فرصة لأكتشف أن سنوات مضت من العمر لم تذهب هباءً، وأن ما يتركه الإنسان خلفه في الأماكن التي خدم فيها لا ينتهي برحيله، بل يبقى أثره هناك.
وقبل أن أغادر، ذهبت إلى مسجد الجامعة لأداء الصلاة. وفي طريقي إليه مررت بأرجاء الجامعة التي عرفتني وعرفتها في سنوات مضت، فعادت الذاكرة بي إلى ذلك الفتى اليافع الذي كان يأتي إلى الجامعة كل صباح وكأنه يسابق الريح، يحمله الشوق إلى المكان، وتحمله الأحلام إلى المستقبل.
تذكرت كيف كانت الجامعة يومها حلمًا يراودنا، وكيف كنا ننظر إلى الغد بشغف، دون أن نعرف أن الأيام ستمضي بهذه السرعة، وأن ذلك الفتى الذي كان يركض إلى الجامعة سيعود إليها بعد عقود، وقد تغيرت صفته، وتبدلت تفاصيل حياته، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: ذلك الشعور تجاه المكان.
بعض الأماكن لا نغادرها حين تنتهي الوظيفة أو الدراسة؛ نتركها بأجسادنا، لكنها لا تتركنا أبدًا. تظل في الذاكرة، في الوجوه، في الممرات، وفي تفاصيل صغيرة قد لا تعني شيئًا للآخرين، لكنها تعني لنا عمرًا كاملًا.
وحين غادرت الجامعة هذه المرة، لم أشعر أنني كنت أودع المكان من جديد؛ شعرت فقط أنني مررت على جزء من حياتي لأطمئن عليه.
أما ذلك الفتى الذي كان يسابق الريح إلى الجامعة، فلا يزال في مكان ما بداخلي.. كلما عدت إلى الجامعة، عاد هو أيضًا.
