عائشة بنت أحمد البلوشية
تُثار التساؤلات مؤخرًا حول كيفية إدارة الإنفاق للأسرة الواحدة بأسلوب يجعلها تصل إلى الدخل الشهري المستحق مع نهاية كل شهر دون الاستدانة، أصبحت هذه العملية الحسابية المعقدة لرب الأسرة مُنهكة جدًا، وما بين مُستاء ومُتسائل ومُندهش ومُثقل بالهموم المتنوعة، لا بُد لنا ألا ننسى تلك الأسرة المُتعفِّفة، التي تخجل من مد يدها للغير.
وحقيقة معروفة عن المجتمع العُماني أنه نسيج واحد، إذا انفتق جزء من ذلك النسيج لأي سبب من الأسباب، جاءت الرقعة من نفس الثوب لتسد ذلك الجزء المقطوع. وما أجمل المشهد عندما نرى الفرق التطوعية والخيرية وهي تمد أياديها في الملمات والخطوب الجسام منها والبسيطة، لينهض ذاك الجسد كتلة واحدة قوية بفضل ما أنعم الله به على هذا البلد من حب الخير البذل والعطاء، ولو بالشيء اليسير، وهذا الأمر هو عامل مشترك بين أهل عُمان من أقصاها إلى أقصاها، ومن مشرقها إلى مغربها لله الحمد والمنة والفضل.
"وَٱلّذِینَ فِیۤ أَموَ ٰلِهِم حَقّ مَّعلُوم" (المعارج: 24)، جاءت هذه الآية العظيمة التي تسمي لنا إحدى صفات المؤمنين، محددة أن في أموالهم "حق" لتأتي الآية التي تليها موضحة مخارج هذا الحق، ومن هو المستحق لهذا الحق في قوله تعالى: {لِّلسَّاۤئلِ وَٱلمَحرُومِ} (المعارج: 25)، ولتبيان أهمية هذه الصفة جاءت الآية التاسعة عشر من سورة الذاريات: {وَفِیۤ أَموَ ٰلِهِم حَقّ لِّلسَّاۤئلِ وَٱلمَحرُومِ}، التي جاءت لتوضح لنا إحدى صفات المتقين، والمحروم في الآيتين الكريمتين هو المتعفّف الذي لا يسأل الناس، أو الذي حُرم الرزق والمال بسبب جائحة أو مصيبة أو عدم كسب، ولكن من هو (السائل) الذي جاء ذكره مقرونا بالمحروم، حسب التفاسير هو الفقير أو المحتاج الذي يطلب المعونة والصدقة من الناس بسبب فاقته وحاجته، إذا هو الذي اجتمع عليه ذل الحاجة، وذل السؤال من الناس.
يتأفف العديد من الناس عند رؤيتهم لسائل مُقبل عليهم يطلبهم المعونة، وهنا لا أقصد ذلك يمضي في الأسواق متسولًا يدّعي الفقر والحاجة، بل ذلك السائل الذي يأتي إلى منزل أحدنا، يقدم خطوة ويؤخر عشرًا، وذلك خوفًا من المهانة التي قد يواجهها، ثم يلج باب تلك الدار محاولًا أن يختار الكلمات المناسبة حتى لا يريق ما تبقى من ماء وجهه، ليسألك جزءًا من ذلك الحق المعلوم من المال، فتنتفض غضبًا من جرأته لدخول بيتك سائلًا، وتأمره بالذهاب إلى الجمعيات الخيرية لأنها الجهات التي يُناط بها ذلك العمل، وتنسى أو تتناسى أن الله اختصك من بين خلقه كي يطرق ذلك السائل باب الله من خلالك، وتزيده فوق مذلة السؤال احتقارًا قائلًا إنك لا تجلس على بنك، يا رجل هوِّنها على خلقه يهونها الله عليك في الدنيا والآخرة، إن كان لديك أعطه ولو القليل، وإن لم يكن لديك فاعتذر له بلطف ويسر، والله تعالى يعلم صدق نيتك، فأنت مهما بلغت مكانتك لست بأفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم الذي كان يمشي وعليه بُردٌ نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي وجذبه برِدائه جذبةً شديدة حتى أثرت حاشية الرداء الخشنة في صفحة عنقه أو عاتقه من شدة الجذبة، قال بفظاظة وجفاء: "يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك"، لم يغضب ولم يقابل الإساءة بمثلها، بل التفت إليه مبتسماً وضَحِكَ، ثم أمر له بعطاء وحمل له الطعام على بعيريه. لم يقل له يا رسول الله، أو يا أبا القاسم، بل خاطبه باسمه المجرد صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله، ورغم ذلك تبسم ضاحكا.
إن هذا الموقف وغيرها من المواقف مع رسول الله صلى الله عليه وآله جاءت كي يبين لنا حق السائل علينا، وتأكيدا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (الضحى: 10). والسائل هنا هو طالب المال المحتاج أو طالب العلم المُسترشِد، يتضح هنا النهي الإلهي الشديد عن نهر السائل وزجره لأنه جاء لسؤالنا، بل يجب علينا أن نعطيه من نعم الله التي من بها علينا، أو أن نرفق به ونتلطف عليه عند عدم المقدرة، ومن منا لا يذكر قصة الأمير معن بن زائدة، عندما تراهن جماعة مع أعرابي على أن يغضب معن بن زائدة ويخرجه عن أناته وحلمه مقابل مائة ناقة، فدخل الأعرابي على معن، قائلا له: "أتذكر إذ لحافك جلد شاةٍ// وإذ نعلاك من جلد البعير؟"، فلم يغضب معن وهو الأمير على عرشه، بل قال بكل تواضع وهدوء: "نعم أذكر ذلك ولا أنساه"، ونذكر كيف استمر الأعرابي يستزيد معنا بفظاظة شديدة، واستمر معن في حلمه وحيائه، حتى أمر للأعرابي بعطاء كبير، وبذلك استحق أن يكون مضرب المثل في الحلم عند العرب، لأن الحلم من مكارم الأخلاق، وإنه ليس من المروءة أن تسخر أو تتضجر أو تتكبر أو تنفر على من أذلته الحاجة ليقصدك، وتذكر أن الأيام دول.
*****
توقيع:
"وجت تاخذ رسايلها..
وخصلة من جدايلها..
وتديني جواباتي..
بقايا عمر بسماتي. َ
وقالت لي..
فأمان الله"
الأمير بدر بن عبدالمحسن.
